Monday, July 31, 2017

مالي أرى كلمات: إلياس أبو شبكة

ما لي أَرى القَلبَ في عَينَيكِ يَلتَهِبُأَلَيسَ لِلنّارِ يا أُختَ الشَقا سَبَبُ
بَعضُ القُلوبِ ثِمارٌ ما يَزالُ بِهاعَرفُ الجنانِ وَلكِن بَعضُها حَطَبُ
ذكرتُ لَيلَةَ أَمسٍ فَاِختَلَجتُ لَهاوَاللَيلُ سِكرانُ مِمّا سَحَّتِ السُحُبُ
ذكرَتُها غَيرَ أَنَّ الشَكَّ خالَجَنيإِنَّ النِساءَ إِذا راوَغنَ لا عَجَبُ
فَهُنَّ من حَيَّة الفِردَوسِ أَمزِجَةٌيَثورُ فيهِنَّ من أَعقابِها عَصبُ
أَخافُ في اللَيلِ من طَيفٍ يَسيلُ عَلىمَوجاتِ عَينَيكِ حيناً ثُمَّ يَغتَرِبُ
طيفٌ مِنَ الشَهوَةِ الحَمراءِ تَغزِلُهحمرُ اللَيالي وَفي أَعماقِهِ العَطبُ
وَوَجهُكِ الشاحِب الجَذّابُ تُرهِبُنيأَلوانُهُ يَتَشَهّى فَوقُها اللَهبُ
ما زِلتِ تَغتَصِبينَ اللَيلَ في جَهَدحَتّى تَجَمَّدَ في أَجفانِكِ التَعَبُ
وَما السَوادُ الَّذي في محجريكِ بَداإِلّا بَقايا من الأَحشاءِ تُغتَصَبُ
وَحَقِّ طِفلِكِ لَم أَشمُت بِإِمرَأَةٍزَلَّت بِها قَدَم أَو غَرَّها ذَهَبُ
فَربّ أَنثى يخون البُؤسُ هَيبَتَهاوَالبُؤسُ أَعمى فَتَعيي ثمَّ تَنقَلِبُ
لي مُهجَةٌ كَدُموعِ الفَجرِ صافِيَةنَقاوَتي وَالتُقى أُمٌّ لَها وَأَبُ
فَكَيفَ أَختَلِس الحَقَّ الَّذي اِختَلَسواوَكَيفَ أَذأبُ عَن لُؤمٍ كَما ذَئَبوا
لي ذِكرياتٌ كَأَخلاقي تُؤَدِّبُنيفَلا يُخالِجُني رَوغ وَلا كَذِبُ
أَبقى لِيَ الأَمسُ مِن غَلواءِ عِفَّتَهاوَلم يَزَل في دَمي مِن روحِها نَسَبُ
وَحَقِّ روحِكِ يا غلوا وَلَو غَدَرتبيَ اللَيالي وَأَصمَت قَلبِيَ النُوَبُ
إِن كُنتُ في سَكرَةٍ أَو كُنتُ في دَعرٍوَمَرَّ طَيفُك مَرَّ الطَهرُ وَالأَدَبُ
وَأَنتِ يا أُمَّ طِفلٍ في تَلَفُّتِهِسُؤلُ العَفافِ وَفي أَجفانِهِ لعبُ
صُبّي الخُمورَ فَهذا العَصرُ عَصرُ طَلاأَما السَكارى فَهُم أَبناؤُهُ النُجُبُ
لا تَقنطي إِن رَأَيتِ الكَأسَ فارِغَةيَوماً فَفي كلّ عامٍ يَنضُجُ العِنبُ
صُبّي الخُمورَ وَلا تُبقي عَلى مُهجٍمَوج الشَبابِ عَلى رِجليكِ يَصطخبُ
أَما أَنا وَلَو اِستَسلَمتُ أَمسِ إِلىخَمرِ اللَيالي فَقَلبي لَيسَ يَنشَعِبُ
قَد أَشرَبُ الخَمرَ لكِن لا أُدنِّسُهاوَأَقرَبُ الإِثمَ لكِن لَستُ أَرتَكِبُ
وَفي غَدٍ إِذ تُنيرُ الطفل ميعَتهوَتهرمينَ وَيَبقى ذلِكَ الخَشَبُ
قولي لَهُ جِئتَ في عَصر الخُمورِ فَلاتَشرَب سِوى الخَمر وَاِشحَب مِثلَما شَحَبوا
قولي لَهُ هذِهِ الأَيّامُ مَهزلَةوَلَيسَ إِلّا لمن ينشى بِها الغَلبُ
قولي لَهُ عَفَّةُ الأَجسادِ قَد ذَهَبَتمَع الجُدودِ الأَعِفّاءِ الأُلى ذَهَبوا
قولي لِطِفلِكِ ما تَستَصوبينَ غَداًفَكُلُّ أَمرٍ لَهُ في حينِهِ خُطبُ
وَلكِنِ اليَومَ صُبّي الخَمرَ وَاِنتَخِبيمِن المَلَذّاتِ ما الآثامُ تَنتَخِبُ
وَلا تَخافي عَذولاً فَالعَذول مَضىوَالعَصر سَكران يا أَخت الشَقا تَعِبُ
طَريقه الشك أَنّى سار يملكهوَحلمهُ الشهَوات الحُمرُ وَالقُربُ

Saturday, July 22, 2017

وين رايحين!

استراتيجيا، ما يجري الأن محاولة لإعادة ترتيب الاصطفافات لتريب الوعي العربي والإسلامي الشعبي، والعودة به إلى ما قبل الثورة من جناح صمود بـ"عمالة"   وجناح سلام بـ"عمالة".  وهكذا يتم تزويد "النظام العربي والإيراني" بالاسس اللازمة للسيطرة على الشعور الشعبي والعودة به لما قبل الثورة العربية.
وستعود قريبا فيروز مع "سنرجع غدا إلى راضنا"  لتصدح على راديو الصمود،  وستعود أخبار الأميرة ديانا لتهيمن على راديو السلام. 
المهم من كل هذا أن الشعوب لا تملك خطة عمل حتى الآن.      
#قبرعاتكانيات

Thursday, July 13, 2017

بين الكعكة وزينتها من عالم الأعمال إلى السياسة والدين: لا تبنى أمة من الماركتينغ

من بين جميع الأقسام في المؤسسات والشركات هناك قسمان يختلفان بطبيعتهما اختلافا شديدا.  القسم الأول هو قسم "البحث والتصميم" (وقد يكون الإنتاج او ما شابه) والقسم الثاني هو قسم التسويق والإعلام.  فإن دخلت قسم التسويق تجد الألوان واللوحات الزاهية والديكور المزركش حتى ما يصدر عنه تجده جذابا للناس بألوانه واصواته استجابة لرغباتهم.  بينما من يدخل قسم "البحث والتصميم" يجد الرصانة والرتابة والجدة إلى حد الملل مقارنة مع قسم التسويق. في القسم البحث نتكلم عن الـ"مصمم" للفكرة أو عن الكعكة؛ وفي قسم التسويق نتكلم عن الـ"مُسوّق" للفكرة أو عن زينتها؛   وأحيانا يختلط على حديثي العهد بهذه البيئة وهذا التمايز فلا يدركون الفرق بين الكعكة وزينتها.  والشركات التي لا تستطيع أن تميز بينهما فتقع ضحية أحد الحالتين فإما عندها منتجات مصممة بشكل جيد ومفيد ولكن لا يشتريها الكثيرون، أو عندها مشتريات كثيرة ولكن غير مفيدة ولا تصل إلى مستوى الالتزام التي وعدت بها الزبائن. 
كل الأمور الأخرى ولاسيما الدين والسياسة (غرضنا من المقال اليوم) تحمل نفس التقسيم بين التصميم والتسويق. فهناك اقسام التصميم التي تسهر على البحث المرجعي والتحليل القيمي والمعرفي لتقدم حلولا فتختبرها وعند ثبات نجاعتها للمجتمع ترسلها لأقسام التسويق والدعاية.  في مجتمعاتنا يكاد يختفي هذا التمايز بين القسمين ،  فلا نستطيع أن نذكر تاريخ آخر مرة اصدرت جماعة أو حزبا سياسيا كتابا أو حتى بحثا أو وثيقة تاريخية مبنية على دراسة معمقة للوضع في مجتمعاتها، بل أننا عندما نجد أن احزابا سياسية وهيئات تتشكل في عتم الليل وتضمحل مع آخر معونة تصلها ندرك أن كل هذا يأتي في أقسام التسويق. وأن هذا لن يستمر ولن ينفع الناس.  وكذلك عندما نجد علما ومعرفة ولكنها مبتذلة في إرضاء اقسام التسويق تعلم أن هذا لن ينفع الناس. ولو نظرنا في العشرين سنة الماضيات في سوريا لما وجدنا عملا سياسيا واحدا من انتاج "قسم البحث والتصميم" وإن تم هناك إنتاجا فهو انتاجِ سجن غبار المكتبة، لم يلق ما يحتاجه من اختبار تطبيقه ومرجعيته في المجتمع. وإن أردنا الاشتطاط بالمثال نستطيع اعتبار أن "اعلان دمشق" قد يكون مثالا وبتصرف وعلى علاته على نتيجة "قسم التصميم،"  ولكن بكل أسف لم تستطع "أقسام التسويق" السورية كلها أن تحوله لشيئ ما في ضمير المجتمع.  بل اكاد أجزم أن العديد من حملة هذه الوثيقة لم يدركوا معانيها، وخلطوا بين التسويق لأنفسهم وبين التسويق للاعلان.  الحكم نفسه نصدره على وثائقا سسياسة أخرى مثل بعض ما صدر عن حزب العمل وأضرابه وجماعة الإخوان المسلمين.  بل المأساة فيها ليس فقط خلطهم بين التصميم والتسويق بل أن التسويق – وهو ما به بارعين – اصبح على أيديهم ليس تسويقا للتصميم، بل اصبح تسويقا لاستمرار هيمنة قيادات تاريخية مازالت تعيش في القرن التاسع عشر وطواحينه.  (اليوم لن أتكلم عن الصنف الثالث، فهو لامسوق ولا مصمم، بل من صنعه التمويل الغريب غير الشريف)  
أما في الدين فالمصيبة أكبر،  فكيف تُعلّم هذا الإمام الذي يرتقي المنبر كل يوم جمعة - بكل حسن نية وتقى - بأن ما يفعله على المنبر ما هو إلا تسويقا وليس تصميما؟  فمن المهم  تعلميه أن يميز في انكبابه على كُتب التراث بأن ما كتبه فلان في  القرن العشرطش في القضية الفلانية قد كان كَتَبَهُ كـ"مُسوّق"؛  وأن ما كتبه فلان في القضية العلانية فقد كَتَبَه كـ"مصمم."  وكثيرا من الأحيان يقف العالم في مسألة مسوقا وفي مسألة أخرى مصمما.  ولكن مع بعد الزمن، واختلاف الحال ، يزيغ البصر وتختفي التفاصيل المهمة من المسائل، ويختلط الأمر بين المسوق والمصم.  وفي فقهنا الكثير من الأمثلة من علماء الأمة وكيف أن أحكاما عامة لم تجد موقعا عند الإمام عندما يتحدث عن حالة خاصة.  أكثرها شيوعا هو مثال الإمام ابن تيمية وحكمه في بيع الخمر لجنود التتار في معسكراتهم لكي لا ينزلوا إلى دمشق ويسكروا فيها. 
ونحن هنا لا نقول أن يتنطع القاصي والداني لمثل هذه القضايا بل العكس تماما، فعلى جماعة التسويق أن لا يتبنوا شيئا من هذا ما لم يكن له مصمما يقف خلفه ويعلم أبعاده ونتائجه. ولكن ما نقول بأن فصاحة البيان وحسن الإلقاء لا تعفي الخطيب من الالتزام بغرز المُصمِّم.  فالخطابة ما هي إلا أداة تسويق ومهما برع أحدهم بها فلا تعني اعفائه من رؤية مآلات الخطاب ونتائجه.  فالعبرة في الأحكام في مآلاتها. 
وكثير من معاني هذه المقالة لا تغيب عن الكثيرين،  ولكن مع حالة وسائل التواصل الإجتماعي هذه الإيام علينا إدراك الفرق الكبير بين المسوق والمصصم.  فمع الفيسبوك وأضرابها أصبح الجميع "صاحب منبر."  فلا يمكن أن يفوتك منبرا هذه الأيام مهما تحريت الصدق.  فلذلك على الناشر أو الخطيب أن يدرك هل هو مُسوّق في منشوره أم مُصمّم لكي لا تصيبه آثام كلمته، وعلى القارئ أيضا مسؤولية التخير فيما يقرأه، فهل ما يقرأ يتلقاه من مُسوّقٍ ام من مصممٍ. والمصيبة في وسائل التواصل اليوم أنها تجعل الكلمة "أبدية" فما خطبه أبو سعيد الدباغ رحمه الله في غرة رمضان عام 919 للهجرة في بغداد لم يسمع بها احد سواء أنكرنا مضمونها أم كان مضمونها سينقذ البشرية.   أما ما يُكتب ويُتداول اليوم فيصل إلى صقاع الأرض كلها في لمحة بصر وسيبق إلى يوم القيمة.  والأخطر من هذا أن من سمع للدباغ قبل ستة مئة سنة سمعها ووعيها ضمن المعطى التاريخي والثقافي في تلك اللحظة.  ولكن أين لنا أن ندرك هذا عندما تلق الكلمات جزافا كما نراها اليوم في عالم السياسي أو الدين العربي هذه الأيام. فأحيانا لا أمل لنا إلا أن تتلقى هذه الكلاما جزافا كما ألقيت جزافا.    

محي الدين قصار

شيكاغو 7 تموز 2017
mohyeddin.kassar@gmail.com  

Monday, July 10, 2017

في ذكرى الإنقلاب: مازال الهجوم مستمرا.

سوريالية الحدث والإشارات:
كنت قد وصلت إلى استنبول حوالي 30 ساعة قبل محاولة الإنقلاب المشؤومة التي بائت ولله الحمد بالفشل الكبير.  ولم تكن هذه المحاولة مفاجئة لأي مُطّلع على مسار السياسة الأمريكية وخياراتها التي يطرحها النظام الأمريكي على الصعيد العالمي، وقد أجرت معي محطة "القناة" مقابلة تلفزيونية على مدار الساعة حول الإنقلاب التركي. في الحقيقة لا اعرف كيف علمت "القناة" بوجودي في استبول أم أنها مجرد صدفة أو أحد الأصدقاء أعلمهم عن وصولي الله اعلم؛ وكنت قد اطمئنتُ نوعا ما لأنها "تميل للديمقراطية وشرعيتها في مصر."  ومما قلت في بداية المقابلة: "من قام بالإنقلاب يريد أن ينقل شرخ الصراع الغربي الإسلامي إلى استنبول،  فقد كان هذا الشرخ قد قفز من افغانستان إلى العراق، ومن ثم تصدع طرفه لينتقل إلى سورية، ولو نجح هذا الإنقلاب لأصبحت استنبول في قلب المواجهة الإمريكية مع الإسلام.
طبعا في المقابلات الناجحة عادة تحتاج أن تُلقِ فكرة جديدة ليتلقفها المذيع النبيه ويجعلها المحور الخفي للنقاش، لكي يتمكن من اشباع فضول المستمعين، فيصل بنقاشه مع صاحب الفكرة إلى تفنيد فكرته أو اثباتها عند المستمعين.  ولكن مقدم البرنامج ابتعد في نقاشه كل البعد عن الفكرة، فلا نعلم فيما إذا كان هذا قلة خبرة عنده أم قدرة الممول للقناة على فرض أجندته الخاصة.  هذه المقابلة كانت على الهواء ولكنني لم أعثر على نسخة منها رغم وعد المخرج بإرسالها لي.
ولا يحتاج أي من الناس أن يثبت أن بعض أعمدة النظام الإمريكي كانوا وراء الإنقلاب؛ فهذه مسأله لا ينتطح فيها عنزان.  بل أن حتى وزير خارجيتهم "كيري" يوم السبت صباحا (12 ساعة بعد الإعلان عنه) صرح ملقيا الملامة على "غباء المخططين" ومهاجما إياهم على فشلههم ولم يهاجمهم على الإنقالب بذاته أو غياب شرعيته أوكونه مشروع جريمة.   
 وقد شهدتُ كما شهد العالم معي "الأعراس" والنشاطات التي اجتاحت تركيا بعد فشل الإنقلاب طوال صيف 2016.  ورأينا كيف رابط التركي  في شوارع استنبول ليلا و نهارا  في مراكز البلد لكي لا تتمكن مرتزقة الدولة العميقة من اعادة السيطرة من جديد.  وقد حدث أن كنت ذلك الإسبوع في محطة المترو،  وهذه عادة عندي إذ احب دوما أن أتنقل في النقل العام أينما ذهبت، فالنقل العام يسمح لي بالاحتكاك مع أكبر عدد من الناس. وقد كنت أنتظر "المترو" وأنا أقرأ خريطة القطارات مما قد يشير للبعض أنني غريب.  اقترب مني شاب تركي في العشرينات من عمره نحيل قصير وضعيف قد لا يتجاوز وزنه 45 كغم،  وتكلم معي، فأجبته بالانجليزية أو بالعربية،  فطفق يتكلم بانجليزية مكسرة،  ومما قاله: "ان أردغان مثله مثل نبيه محمد، كلاهما يحبان ان يناما مع البنات الصغار ذات اربع سنوات واغتصابهن"؛ وأن أردغان عنده جيش من "الأولاد للإغتصاب"  وأنه (الشاب) وجد المخلّص في الأبن عيسى المسيح إلخ ... وجدت فجأة في نفسي غضب شديد وفكرتُ جادا بالبطش به هناك على رصيف القطار حيث لم يكن إلا بضع أشخاص متفرقين في المحطة الطويلة. فأن لا يحب رئيس بلده هو حر، أما ان يتهم الرسول صلى الله عليه وسلم باغتصاب الأطفال فهذه قضية أخرى. ولكن بدأت أنظر له وأحلل الموقف؛  دعوني اسمي هذا الشاب "كاييب"  فالموقف عبثي وغير راشد وانا أبحث له عن تحليل راشد،  فلعل هذا الشاب أحمق أو مجنون أولعله مخابرات تركية أو أمريكية  تحاول أحداهما أن ترى ردة فعلي، ورسمت سيناريوهات كثيرة لا طعمة لها شغلتني عن إلقائه تحت عجلات القطار. 
وصل القطار وصعدنا به؛ فكان في القطار جمهور من الشباب المتوجه إلى ميادين الإعتصامات يحملون الأعلام التركية ويتكلمون بنوع من الفرح الصاخب.  طلبت من أحدهم أن يعطيني علما فقدمه لي،  وقال "أنسى الإنجليزي وتعلم التركي،" قلت "إن شا الله وسأعلق العلم في بيتي في شيكاغو."  نظرت بطرف عيني لارى "كاييب" كان قد ذهب إلى آخر القاطرة التي كنا فيها وحاول أن يشغل أصغر مساحة من المكان ليختفي عن أعين الجميع قدر إمكانه.  ولكنه بقي مراقِبا لي وما سأفعله.  فارسلت له نظرة عندما التقت عينانا تقول:  "هل أقول لهؤلاء ماذا قلت عن نبيهم؟"    بدى لي الوضع يومها من الأوضاع السريالية التي لم تحصل عند اي فنان بعد.  فالشاب "كاييب" حاله كحال النخب المتغربة المنثورة عبر العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه. وكلما ظنت هذه النخب أننها ستصل إلى فرض نفوذها على المجتمعات الإسلامية بعمالتها للغرب كلما بائت بالفشل وباعها الغرب لطاغية جديد يستعبدها.  فهي كالمستجير من الرمضاء  بالنار. والقناة التلفزيونية التي تصدح بنداءات الديمقراطية في قطر من الأقطار  نجدها ممولة من الدولة التي تقوم بالإنقلاب على آخر معقل من معاقل الحرية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.  فالإشارات التي نقرأها اليوم تكاد تجعل المرء يردد " لم أعد أفهم شيئاً يا بني" من قصيدة "مرسوم بإقالة خالد بن الوليد" لشاعر دمشق نزار قباني رحمه الله.   

كيف يفكر من وراء الانقلاب:

من يعتقد بأن المشروع فشل وانتهى فهو حالم،  فالفاعل الحقيقي للإنقلاب يعلم - وقبل الانقلاب - أن هناك ثلاثة مخارج أو نتائج لهذا الحدث (ان يفشل الانقلاب ؛ أن ينجح بشكل كامل ؛ أو أن ينجح نصف النجاح) 

الأول وهو أن يفشل الإنقلاب (قاصمة وعاصمة)  
ففي هذه الحالة ستتجه الأمور إلى تشديد قبضة الدولة التركية على الحكم واندفاعها نحو الطرف الآخر من الشدة،  وبذلك تفشل تجربة الحرية في المجتمعات الإسلامية وتفقد النموذج الوحيد الناجح،  فمع تشدد الحكم الذي سيكون قد بُعِث من جديد بعد الإنقلاب ستُصاب قيادات هذا الحكم بالعزلة الدولية والإقتصادية،  وسيُدفعون دفعا إلى مواقف متطرفة من الداخل ومن الخارج شبيهة بمواقف دول الممانعة المنفصلة عن جماهيرها، وبالتالي سيسهل ترك القيادة التركية لكي تواجه العداء للغرب أمام جماهيرها بينما تتم استجرار تنازلاتها بسبب ضعفها وضعف ارتباطها بجماهيرها.   لذلك يوم الإنقلاب نشرتُ كاتبا: "يستطيع الطيب أردغان أن يتحول إلى محور وحدة وطنية وقاعدة لزيادة التفاف الشعب التركي حوله" وبالفعل أندفعت الدولة التركية محقة في هذا الإتجاه، وسرعان ما عدّلَت حدة هذا التوجه بعد أن وضح الفاعل الحقيقي وراء الانقلاب وبعد أن ترسخت القواعد الحاكمة من جديد، والأهم من هذا بعد أن أثبتت المعارضة التركية (أو اغلبها) مستوى عال من الوعي الوطني والحس السياسي والشعور بالمسؤولية أمام عواصف المنطقة.  لذلك نستطيع أن نقول أن الأزمة التي تُدفع لها تركيا من هذا الباب قد سُيطر عليها وبقي هناك اذناب الغرب من أشباه الشاب "كاييب" من الشخصيات المعارضة أو الهيئات المعارضة؛ ولكن قلمت مخالبهم وانتكسوا وفقدوا الكثير من مصداقيتهم صباح استيقظوا على خبر الإنقلاب. 

الإحتمال الثاني أن ينجح الإنقلاب (قاصمة لاعاصمة لها)  
كنت أجول في شوارع استنبول على مدار اسابيع ما بعد الـ"الضربة" (كما يسمونها الأتراك) واشاهد مئات الألوف من الشباب الإسلامي الذي يملأ الساحات واسأل النفس: "ماذا لو نجح الإنقلاب مالذي كان هؤلاء سيفعلون؟"  هذا السؤال ليس بالعبثي ؛ فالجواب عليه هو مبتغى من كان وراء الانقلاب،  وسواء نجح الإنقلاب بالكامل أو نصف - نصف فالنتائج كلها تتلخص على المستوى الاستراتيجي بعبارتي : "نقل شرخ الصراع الغربي الإسلامي إلى استنبول"  أو نقل خط المواجهة بين الغرب والعالم الإسلامي إلى استنبول.  فإن كان فشل الإنقلاب يحمل في طياته مخاطر تصلب القيادة التركية وانزلاقها في فخ الفصام مع مجتمعها؛  فإن نجاح الإنقلاب سيؤدي إلى تصلب هذه الجماهير التي ملأت سماء تركية ستة أشهر بحراك رفض الانقلاب.  وإن كان الانقلاب التركي الناجح الأخير أنتج ما يقارب 625 ألف سجين سياسي؛ فكم من الشباب التركي سواء في صفوف الإسلام السياسي أو غيره سيدفع ثمن نجاح هذا الإنقلاب؟  والإجابة علئ هذا السؤال لا تحتاج للكثير من المعطيات،  فقد كنت كلما شهدت أحد مهرجانات "الفاتح" بعد الإنقلاب أتخيل كل هؤلاء الشباب وقد دفعتهم حماقة الإنقلابين  وخيانتهم  إلى إعلان اليأس من "حلول وسط" مع الحداثة الغربية.  وسيجد الانقلابيون في سوريا وكردستان مصدران لمعارك الالهاء للداخل التركي، فمن طرف سيكون ترحيل اللاجئين السوريين (والعراقيين بالتالي)  طاحونة هواء يُثار الرأي العام حولها.  ومن طرف آخر ستُقدَّم الطاحونة الثانية بصورة "القضاء على الخطر الكوردي."  في الأولى سيكون حاضنها الشعبي مرتكز في العلويين الأتراك؛ بينما تضمن القوى القومجية التركية احتضان الطاحونة الثانية بما هو معروف من عداءها مع الكورد.  وخلال هذه الفترة سيعاد تموضع البنك الدولي وجبهة النقد الدولية في مراكز القرار التركي، الرابط الذي فك غرزه بهدوء وتروي حزب العدالة والبناء على مدار 15 سنة فسيعود الإنقالب ليرهن مقدرات التجربة الناجحة الوحيدة في العالم الإسلامي لمن لايريد لهذا العالم أي خير.

من أجل تلك القاصمة جدع قصير انفه:
لا يحتاج القارئ أن يملك خيالا جامحا لتخيل ما كان يدور في أروقة القرار الأمريكي خلال التحضير للانقلاب من نقاشات.  فهذه النتائج للانقلابات ليس من الصعب التنبؤ بها ـ بل على بساطتها تكاد تعكس "التيار الرئيس" في تحليل الإنقلاب وتبريره. ولكننا نستطيع أن نسأل هل طرحت قضية التطرف الذي سيصيب الشباب التركي؟  وهل هؤلاء الذين كنا نراهم في الفاتح والتقسيم و.و.. وسيدفعهم الإنقلاب ونجاحه لحضن الإسلام الجهادي؟  ويمكننا أن نتخيل أن الذين فنّدوا هذه النقطة في تلك النقاشات والاجتماعات الاستراتيجية اعتمدوا على ردات الفعل عند اخوان المسلمين بعد الانقالب على زعيمهم المصري. ولكن من راقب هذه النقاشات بدقة يعلم أن من صرخ لا تخافوا فلن يتطرف الأتراك، وهؤلاء المفندين لموضوع "الإسلام الجهادي" هم أولئك المستثمرون في "مُجَمّعات الصناعات الإمنية" في أمريكا وأصحاب "الفوضى الخلاقة"  والمدافعون الأشد عن أنظمة الفساد الأسدي والمالكي والعبادي وآيات الفرس في قم وغيرهم من طغات العالم الإسلامي؛  فكما ادعى مهندسو غزو العراق أن العراق يستحق أفضل من صدام ولا يستحق جيشا كجيش العراق، فالغوا الجيش وخوّلوا دوره لمرتزقة السوق الأمريكية،  واستأجروا المجرم الإيراني ليقوم بمهمات الجيش العراقي. فالجيش العراقي لا يدر ثراء عليهم، ولكن البديل الذي أحلوه مكانه ما هو إلى أجير بالفُتات مقابل السلطة والقدرة التي يخولونها لأنفسهم. وكذلك اليوم كلما ارتفع صوت "عاقل" لتحذر من نتائج السياسة الأمريكية وأدواتها مثل هذا الانقلاب كلما ارتفعت عقيرة الكثيرين لتقول: "لا تخافوا الأمور تحت السيطرة.  وإذا حصل الخراب فإننا سنعيد بناءها بشكل أفضل ولكم حصة كبيرة من الكعكة."   لقد نجحوا بهذا في العراق ومصر، ومازالوا يسعون لتحقيقه في تركيا وكوردستان.  وخزان القوة الكامن في هذين المجتمعين يجعل من حروب العراق ألعابا نارية مقارنة ما قد يحدث فيهما لو لم يفشل الإنقلاب. 

عواصم من قواصم ممكنة:
مرت سنة على فشل الإنقلاب ولكن أصحابه لم يستكينوا بعد ومازالوا يشحذون سيوفهم ليوم آخر،  ومحاولات عزل تركيا عن الساحة الدولية والإسلامية ستستمر ولن تهدأ. فمن شوارع واشنطن-العاصمة إلى دوسلدورف  ومن فنادق الإمارات إلى أقبية قم ومن دهاليز المجموعة الإوربية إلى دهاليز الأمم المتحدة؛ ستستمر المؤامرة ولن تتوقف إلى أن تُردع ردعا، والحق وحده هو سلاح الردع الحقيقي،  فالحق والعدل هو عماد القوة، وبه يتم التحام القيادات مع شعوبها. وقد يكون هذا الالتحام هو الأقوى أن كان الطرف فيه الشعوب الحرة، وأعتقد أن الشعب التركي بلغ من النضج وتذوق الحرية ما يؤهله ليكون قاعدة هذا الإلتحام وعلى أحرار سوريا والعالم العربي أن يدركوا أهمية الصمود التركي في مواجهة العالم في القرن الواحد والعشرين.  فكيف تتعامل هذ القيادات مع من هم على شاكلة الشاب "كاييب" مهم جدا،  فلابد من إدراك ان الحق يعلو وأن الباطل زهوقا بطبعه،  فالاحتضان مهم وأن لم ينفع معه فلابد من العزل الإجتماعي دون افراط ولا تفريط.   ولابد ممن يشكل الرأي العام أو يحاول صياغته كقنوات الإعلام المتمولة من الغرب أن يدركوا أن تمويلهم لايكون بريئا دوما. فالآخر كالشيطان قد يصدقك وهو كذوب.  كما أنه على المجاهدين ادراك دورهم الحقيقي في هذه المواجهة. فالأحلام هو أمل من الله سبحانه وتعالى ووعده الذي يتحقق،  أما الأوهام فهي التي يبني عليها العدو مجده.  وبعد سنة نقول للقيادة التركية أنك صمام الأمام بحكمتك وليس بوجدك وحده،  فإن الخلط بينهما سينشأ الوهم بأن الوجود هو الهدف وسنعود لمقولة القيادة البعثية النصيرية عام 1967 لقد خسرنا الأرض ولكن انتصرت الثورة.   

محي الدين قصار
شيكاغو 7/7/2017 


Friday, June 23, 2017

التاريخ كما كان لا كما تتخيله

أتتني رسائل مختلفه حول مقالي السابق: "تعليقا على فورد: قتله الأحنف"  وبعضهم ممن اعتبروا أنفسهم من "الدورجية." وما يزعج بعضهم أن عقيدته الحزبية تمنعه من التعامل مع الإمبريالية العالمية المتمثلة بأمريكا "عدوة الشعوب المقهورة وعدوة الإسلام والمسسيحية." فالجواب لهؤلاء جميعا أن طلب الطهر حيث لا يكون هناك وجوب للطهر هو خداع للذات. بل مما يحسب للمثقفين والمعارضيين السوريين أنهم في مرحلة ما قبل الثورة أبدوا "مرونة عالية" في التعامل مع بعضهم ومع الفكر الآخر من أجل التحرر من الطاغوت.  ولكن علينا إدراك أن "المناوراة الفكرية" كانت واضحه للجميع ولا داع لنكرانها، ولا أعتقد أن الأمر جلل إلا عند من يعتقد أنه كان يخدع الناس طوال هذا الوقت. ومن يشك في هذا عليه أن يعيد قراءة  بعض من "كلمات في المجلس الوطني للتغيير الديمقراطي لإعلان دمشق في الخارج" الذي انعقد في بروكسل في تشرين 2010.  ومما قلته:  
"لقد رأيت خلال حياتي تقلبات السياسيين،  فأريت كيف يصبح اليميني يساري واليساري يميني، وشاهدت ابناء الفكر القاعدي يتجولون في شوارع واشنطن يتمولون من الحكم الأمريكي، ورأيت الرأسمالي يتحول لاشتراكي، والماركسي يصبح في يوم وليلة رأسماليا والاشتراكي ينقلب ليبراليا.  وكل هذه التقلبات والتحولات التي تتم سرا وعلنا لا تخفى أبدا عن المواطن في بلدنا الحبيب،  فأنا ثقتي كبيرة بهذا المواطن وثقتي كبيرة بحكمته وصحة تقديره، فمواطنينا لا ينظرون إلى هذه الحركات إلا على أنها علامات نفاق، وعلي الجميع التنبه إلى آثارها على مصداقيتهم أمام الناس. 

إني على قناعة بأن مواطنينا يريدوا أن يرونا متمسكين بالثوابت الوطنية ولو كانت تعكس اختلافات ظاهرية،  فأنا والمواطن في بلدي نريد أن يبق الكردي كرديا، وأن يبق الآشوري أشوريا، وأن يبق المسيحي مسيحيا والماركسي ماركسيا والبعثي بعثيا،  وأن يبق المسلم مسلما،  وأن نتسابق جميعا في تحقيق الخير لمجتمعنا وأهلنا،  إننا الآن امام تحدي حقيقي يطرحه علينا مواطنينا،  وهو أن نقدم لهم في اجتماعنا هذا رؤية واضحة وصريحة تحافظ على كل هذه المضامين وهذه التيارات فلاتلغيها ولاتنتقص منها شيئا؛  بل توحدها في بوتقة واحدة تنفع الوطن والمجموع دون أن تلغي الفرد وخصوصيته او خصوصية مجموعته.  إنه هذا هو التحدي الحقيقي الذي نقف أمامه والجواب الذي ينتظره منا المواطن. "  


Tuesday, June 20, 2017

تعليقا على فورد: قتله الأحنف


قبل الثورة بسنوات اجتمعت مع مجموعة من الناشطيين (الذين تحول بعضهم لاحقا إلى دورجية)  وقلت لهم ما يلي: "أنتم تتعلمون هنا آليات واستراتيجيات العمل المقاوم ، هذه الآليات يمكنها أن تخدم أهداف سامية كالذي أنتم تسعون له؛ ويمكنها أن تخدم أهدافا غير سامية.  فهذه أدوات كفاح وتغيير  والنتيجة لا تضمنها الأداة.  فخذوا الأليات وضعوها في خدمة اهدافكم،  فحذار أن يوظفوكم لأغراض لا تريدونها"  
وعندما انطلق الربيع العربي لعب كل طرف الدور المناط به بوعي او من غير وعي للنتائج.  وتحول البعض من هذه الأخوة التي تُعِب على تدريبهم من ناشطين إلى "دورجية" وطُرح الكثير من الشباب في واجهات البيع والشراء، فمُسِح الخط الفاصل بين العمل السياسي والعمالة. وعمل الكثيرون تحت شعار "أن اخطاءنا اليوم سننصححها يوم يسقط النظام."   ونفخ فورد بعضلات الشباب ورؤوسهم بقناعات نتيجتها الإنتحار، وامتهن الآخرون القفز في حضن القوى الأقليمية تحت نفس الشعار.  ولعب النظام دوره، فاشترى بنفسه الأعداء أو بعضا انتقاهم من صفوفه وهو مطمئن إلى ان النظام الأمريكي يريد "تغيير سلوكه لا إنهائه."  
فإن علم فورد أو لم يعلم فقد كانت الإدارة الأمريكية تتكلم بلسانين واحدا معنا وواحدا مع النظام. 
ومن يعلم كيف يعمل النظام الأمريكي يدرك أن اصحاب القرار وطبقة الملأ الخفية التي تتحكم بالقرار رغم أنف الشارع الأمريكي لا يرتكبون أخطاء؛  فهم لا يبنون قراراتهم على نزوات بل على دراسات من كل الجوانب، فهم يعلمون حتى على صعيد تركيبة الأسرة ما الذي سيحصل معها دخولهم للعراق أو الحرب الأهلية في سورية. ويعلمون ما الذي سيحصل في المنطقة بعد تسليم العراق لإيران؛ ويعلمون تماما ما الذي سيحدث في تركيا عندما تتقاطر ملايين اللاجئين من أفغانستان إلى سورية مرورا بالعراق، وعندما صمدت تركيا كان لابد لهم من أن يساعدوا سقوطها بانقلاب.   

تقول العرب "قتله الأحنف" في رجل لم يُقتل بيد الأحنف ولكن الأحنف أعطاه تحدي أدى لمقتله. وكذلك لم تكذب أمريكا علينا ولكن سمعنا منها ما نحب فقط أما ما لم نحبه فقد تعامينا عنه.   
    
فالنظام الأمريكي أراد أن يستمر الأسد ولكن مع دمار سوريا. 
والنظام الأمريكي أراد أن يُقتل السفير في ليبيا 
والنظام الأمريكي أراد أن يستمر دمار العراق 
والنظام الأمريكي لم يرد خيرا للمسلمين في يوم من الأيام.  
وأنا لا أتكلم عن مؤامرة بل هي حقائق الأرض.  

محي الدين قصار 
6/20/2017 

Sunday, April 09, 2017

تصحر الذوق عند اسماء الأسد

في الاوتيل هذا الصباح كان على التلفزيون برنامج عن اسماء الأخرس (لااذكر القناة) خلاصة الحديث تتكلم عن حياتها وانتقالا من لندن إلى دمشق.   
والبرنامج بدون قصد يبين ظاهرة معروفة.  ففي كل بلاد العالم ولاسيما التي تحمل فيها فجوة بين الريف والمدينة هذه الظاهرة معروفة.  فعندما  يأتي أهل الريف إلى المدينة وخلال فترة قصيرة ؛ ومدفوعين بحياة أفضل ورغبة بمستوى أعلى من الثقافة؛  تتغير عاداتهم وطرق استهلاكهم وينتقلوا من الإستهلاك التقليدي (الذي هو الاستهلاك بغرض تقليد اهل المدينة) وهذا امر طبيعي يظهر في المرحلة الأولى من الهجرة للمدينة، ومع الوقت يتحول نمط الإستهلاك والذوق إلى نمط أصلي ومكتسب ويبدأ بانتاج ثقافة ذاتية متماهية مع ثقافة المدينة.  
هذا الأمر لا يعيب أحدا.  فهو أمر تطور طبيعي تفرضه الفجوة بين الريف والمدينة.  ولكن المستمع للبرنامج عى أسماء الأخرس يكتشف انعكاس الآلية.  فأسماء الأخرس الفتاة المدنية (حمصية) والتي تربت ترعرعت في حضن أبيها (الطبيب) في وسط مدينة لندن لم تخرج فقط عن الآلية أعلاه،  بل أنها عكستها،  فقد "صحرتها" العيشة في القصر الجمهوري ورفقة عائلة الأسد.  طبعا حتى الصحفي الذي قدم الربورتاج لم ينتبه لهذه الآلية،  ولكن كل ما قدمه عن أنماط استهلاك أسماء وأولوياتها يدل على تصحر الذوق عندها عوضا عن أن تلعب دورا في تطوير أذواق من حولها. 
  

Thursday, April 06, 2017

الضربة الأمريكية ليست نصرا للثورة

علينا أن نفهم نقطتين: أولا: ضرب النظام السوري ليس بالمشكلة الحقيقية لقوة مثل أمريكا. فإسرائيل مارست هذه العملية خلال الأربعين سنة الماضيات دون أن تتضرر أو تتضرر مصالحها أو تعاقب على هذا. ثانيا: أن الضرب على الأغلب سيكون ضربا عقابيا وليس ضربا لإنهائه. فلابد من أن تستمر الثورة على الأرض لكي تستفيد من أي عملية ضرب كفرصة للنقد باتجاه أهدافها. القوات المعارضة اليوم من أقصى مجاهديها إلى أقصى يسارها لا تملك تصورا حقيقيا عن الدولة القادمة ولا كيف تصل لها. وطالما استمرت الحالة راهنة فأي ضرب ما هو إلا مضيعة للبنى التحية السورية (تذكروا أنها ليست ملك بشار) ومضيعة للوقت ومزهقة للأرواح. فيمكن للنظام أن يتجاوز أزمة الضربة الأمريكية ويمتص آثارها باتفاق بسيط مع بعض قوى المعارضة المسلحة شبيه بالاتفاق مع "..." الذي أوقف خطوط التماس عند جوبر وساحة العباسيين منذ 2012. وهكذا اتفاق شبيه بهذا سيجعل النظام يطمئن أن الثوار لن يصلوا له خلال فوضى الضربة. لذلك عليكم أن تحاربوا الشعور أن اسقاط النظام سيتم بحركة واحدة. بل هو مجموعة حركات متناسقة من جميع الأطراف سواء كان تناسقها مخطط له أم خلقته الأقدار. فالتنسيق يتم في الأمور التي بيدك كثائر او كمجاهد، أما الأمور التي بيدك أو لا تدري بها فخلقته الأقدار أو سخرالله لها من يأتي بها فعليك أن لا تنتظرها بل أن تقفز على المناسبة لتقدم هدفك في لاظروف القادمة.

Sunday, March 26, 2017

الهروب إلى الأمام

مرة بعد صلاة الجمعة انتهيت من التسبيح فقام في الصفوف الأخيرة من المسجد أحد الشباب الأمريكان وسألني قائلا: "هل من الممكن أن أطرح سؤالا؟"  أجبته : "بالتأكيد." فانطلق يشرح المشاكل التي يتعرض لها المراهقون في مدارسهم، وأهمها مشكلة المخدرات وكيفية محاربتها.  
طبعا قبل أن أجيب بكلمة قاطع أحد الأخوة مجيبا :  " عندما تقوم الخلافة فكل هذه المشاكل ستنتهي"  
  طبعا هذه مشكلة حقيقية يتعرض لها الشباب هنا وبشكل جدي ، وخلافا لوهم الكثيرين من الجالية المسلمة الوافدة، فأحصائياتنا تماثل احصائيات الجاليات الأخرى،  بل أولادنا اكثر تعرض لهذه المشكلة من المسلمين من أهل البلاد الأمريكان المسلمين. فأهل البلاد يعرفون كيف يحصنوا أولادهم ضدها بينما نحن الوافدين نختبئ وراء طهرنا للتعامي عنها.  
ولكن غرض المثال هنا ليس المخدرات ولا مشاكل الشباب،  غرضنا في عرض طريقة الهروب إلى الأمام عند الكثيرين ممن تنطع لقيادة الأمة سواء سياسيا أو عسكريا أو فكريا. فجواب الأخ المقاطع يرمي بالمشكلة على المستقبل وينتظر الخليفة ليحلها له.  بينما وقف الأخ السائل محتارا.  فتفسير الكلام في منظومته الفكرية غير مستوي، فهذا يعني أنه عليه أن ينتظر أن يأتي الخليفة ليستطيع أن يفعل شيئا لها.  

هذا الهروب إلى الأمام نستطيع أن نشاهده بشكل واضح للعيان بأمثلة: 
  • عندما نسمع متحدثا في عمان يرمي بكل المصائب الاقتصادية التي تصيب العالم الإسلامي على فك الإرتباط بين أردغان و جبهة النقد الدولية.      
  • عندما نسمع متحدثا ينتظر من قوات التحالف الأمريكي أن تسوى الموصل بالأرض لكي يبدأ بحل مشاكل الأمة بالمنهج الذي يناسبه. 
  •  عندما نسمع متحدثا ينتظر أن يصل الشحن من الداعم لكي يبدأ تنظيم صفوف قواته أو ما بقي منها. 
اللائحة طويلة، والأمثلة التي تتكلم عن الهروب للأمام بانتظار شيئا ما ليحدث كثيرة. وكلما دخل عليك الشيطان من باب "انتظر حتى يحدث كذا" فأغلق الباب بـ"ماذا إن لم يحدث"  أو بـ"كيف اجعله يحدث؟"    

Monday, January 16, 2017

عمر أبو ريشة

عمر أبو ريشة
أنـا فـي مـوئل الـنبوة يا دنيا ***** أؤدي فــرائـض الأيــمـان 
أســأل الـنفس خـاشعا أتـرى ***** طـهرت بـردي من لوثة الأدران 
كـم صـلاة صـليت لم يتجاوز ***** قــدس آيـاتها حـدود لـساني! 
كـم صـيام عـانيت جوعي فيه ***** ونـسيت الـجياع مـن إخواني! 
كـم رجمت الشيطان والقلب مني ***** مـرهق فـي حـبائل الشيطان! 
رب عـفوا إن عشت ديني ألفاظا *****عـجـافا ولـم أعـشه مـعاني 
أنـا مـن أمـة تـجوس حـماها *****جاهلياتها بــلا اسـتـئذان 
مـزقـت شـملنا شـعائر شـتى ***** وقـيـادات طغمة عـبـدان 
مـرنتنا عـلى الـهزيمة والجبن ***** وبـعض الـحياة بـعض مـران 
فـاسـتكنا لا بــارك الله فـي ***** صـبر ذلـيل ولا بـكاء جـبان 
يا بن عـبد العزيز وانتفض العز *****وأصـغى وقـال : مـن ناداني ؟ 
قـلت : ذاك الـجريح في القدس ***** في سيناء في الضفتين في الجولان 
قصيدة في حضرة الملك فيصل رحمه الله 
عمر أبو ريشة

Thursday, January 05, 2017

صفحات من مجازر حماه 1982

 نشرت هذه على الفيس بوك من الأخ طارق الأمين، أحببت أن أحتفظ بها في مكان أضافي هنا للتاريخ 
صفحات من مجازر حماه 1982

 رسالة من جندي سوري تسرد وقائع حقيقيه عن مجزرة مدينة حماه المروعه التي ارتكبت على يد نظام آل الاسد النصيري في الفتره مابين 1980م و عام1982م ضد مواطنين أبرياء مسالمين
 كان الرجل جنديا برتبة عريف في الجيش السوري,وكان هو من بين العديد من العسكر اللذين شاركوا في تلك الجريمة البشعه, وعمره آنذاك كان ثلاثون سنه أما اليوم فهو شيخ في الستينات,أرهقه الكتمان فقرر ان يبوح بذكرياته.
هي شهادة للتاريخ قد تكون طويلة نوعا ما , ولكن الأمانه تقتضي علي نقلها كما بعثها صاحبها , ولنتركه يروي لنا شهادته ...
 كنا نعامل أهلنا كنا بدون قلب ولامشاعر ولارحمة ندفع النساء وأوقات نضربهن بأخمص البارودة ونرفسهن ونهددهن بالاغتصاب , وعلى فكرة ضباطنا وجنودنا اغتصبو الكثيرمن النساء والبنات ونهبنا الكثير وكالعادة نعدم الناس ونجمعهم ويأتي التركس مع سيارات الحجر القلاب فيشحرهم التركس وكان منطر بشع جدا جدا, لماذا التركس لانه شوك اصابعه تدخل في اجساد الشهداء فترى من هذا يديه وهذا رأسه وهذا أمعائه وهذا رجله المتدليه والدماء تسقط منهم والتركس مليئ بالدماء ومنهم من تدخل اصابيع التركس فيهم وهم أحياء لاننا عندما نعدمهم بشكل جماعي فكانو يسقطون على الارض فوق بعضهم فمنهم من يكون مات ومنهم ينزف حتى الموت ومنهم يبقى على قيد الحياة فيشحرون في التركس ويقلبهم التركس في قلب السيارات وتذهب السيارات الى الغاب فتحفر الحفر لهم هناك فتكبهم فيها كالقمامة , ومن ثم يتم طمرهم بالتراب حتى أني أسمع أنين بعضهم أحياء .
أما اللذين نعتقلهم فقد كنا نضعهم في سجن تدمر ومنهم من يذهب به الى حلب ومنهم الى دمشق , وقد ذهبنا الى المنطقة الصناعية في حمص وقتلنا واعتقلنا حوالي الف شخص وبنفس الطريقة ندخل الى المحلات والبيوت وهم نائمون نخرجهم من بيوتهم نعدمهم فورا ومنهم من نعتقله ويتحدد ذلك على حسب ردة فعله وكلامه وشكله وتصرفه, نتعامل معهم ليس كبشر بل وكأننا ندخل على أحواش أغنام .
وذات مرة جاءنا رفعت الاسد بقوات من سرايا الدفاع معهم طائرات هليكبتر وطائرات روسية صغيرة الى السجن , ففوجئنا بتلك القوات التي كانت موزعة الى مجموعات تدخل الى المهاجع في السجن فتخرج المساجين بشكل متسارع ومرعب وتعدم فأعدمت ١٨٥٠ سجين من دون ان يرف لها جفن , فاصبح السجن مجزرة لاتتخيل, فلا تصدق انك تلك المذابح ترتكب بحق بشر ومن ثم عادت تلك القوات الى دمشق , ولاتعلم ماهو الذنب العظيم الذي ارتكبه هؤلاء!
ظلت هذه الحوادث بين شد وجذب حتى دخل عام 1982م , وفي هذه الأثناء ومع ارتكاب تلك الجرائم حاولت جماعة الاخوان ان تنقذ أهلها فدخلت في مقاومة معنا وبدأنا نقاتل الاخوان فقتلنا منهم العشرات وقتلو منا حوالي عشر جنود وصف ضابط وهرب الباقي , ثم بدأنا بعدها بحملة تطهير شاملة , فكانت أولى المجازر مجزرة الملعب البلدي قتلنا فيها ٣٥٠ شخص, ثم ذهبنا الى جسر الشغور بطائرات الهليكبترفقتلنا اكثر من ٣٠٠ شخص هناك ومن ثم الى المعرة فقتلنا فيها أكثر من 150 شخص وخلال ساعات كنا قد انجزنا المهمة ,ثم مجزرة مقبرة سريحين ٤٠ شخص وخارجها ٢٠٠ شخص , ومجزرة حي البياض في النهار ١٠٠ شخص وفي الليل ٨٠ شخص, مجزرة حي الشجرة ٩٠ شخص, مجزرة الدباغة ٢٢٠ شخص , ومجزرة حي البارودية ٢٦٠ شخص, وحي الزكار ٧٥ شخص وفي المساء عدنا لنفس الحي واخذنا ٧٠ شخص, وكل هؤلاء الناس ناخذهم من بيوتهم بدون سؤال ومن دون سؤال عن هوياتهم أو أسمائهم لأن هذا لايهمنا حيث أننا لم نكن نعرف أسماء الاخوان , ولهذا فاننا نعتمد على الشك فقط فنعتقل ونعدم .
وفي مجزرة جامع الجديد دخلنا علي الجامع فأخرجنا المصلين وقتلناهم , ومنهم من قتلناه داخل المسجد , وحرقنا ذقونهم وشوا ربهم, ومنهم من ضربنا بقسوة جدا على رؤوسهم بالبواريد ووجوههم وأرجلهم ونصفعهم با للكمات والكفوف , لقد ضرب هؤلاء المساكين بقسوة جدا جدا فمنهم تهشم وجهه ومنهم من كسرت يديه ورجليه لأن بعض الضباط معه عصا غليظة وبعضهم تكسرت جماجمهم واضلااعهم قبل اعدامهم وكان عددهم حوالي ٧٠ شخصا منهم ١٥ سنة و١٧ و٢٥ و٦٠ و٤٠ من دون تفريق بين صغير أو كبير, ومجزرة القلعة قتل فيها اكثر من مائة شخص .
وأذكر أن رفعت الاسد كان سيدمر حماة كلها فقد كان يريد قصفها كلها فوق شعبها, لكنه تراجع بسبب اننا نحن اتباع الوحدات الخاصة منعناه من ذلك وقد كنا دائما على خلاف معه , فكان ان رفضنا الخروج من حماه فاجتمع بنا علي حيدر وقال لنا ان رفعت الاسد يريد ان نخرج من حماه ليدمرها فوق سكانها ولكننا لن نخرج , وقال علي حيدر ان الامور مستقرة فلايوجد ضرورة لتدمير كل المدينة.
--
وقصة الفتاة صاحبة الـ ١٤ ربيعا وأخيها صاحب الـ١٨٨ سنة , تلك القصه التي مزقت قلبي وأثرت في حياتي ولن انساها ماحييت ومادمت لم الفظ انفاسي , وفيها أننا توجهنا الى منطقة لم أعد أذكرها وكان ذلك في يوم السبت في الساعه الثانيه عشرة ليلا , فلما وصلنا طرقنا الباب وكان هذا أول بيت نطرق بابه بأيدينا , حيث اننا كنا نكسر الأبواب وندخل فجآة الى البيت , وكثيرا ما صادفنا نساء مع ازواجهم يتجامعون فيتفاجئون بنا فوق رؤسهم فيصيبهم الهلع جراء ذلك, وعنما ندخل نتوزع فورا في انحاء البيت كله , فتجد الأطفال يرتعبوا ومنهم من يشل لسانه ومنهم من يبدأ يرجف وهناك من كبار السن يصفرنون في الأرض, الحقيقة لم ندخل بيت الا وخاف من فيه جدا واكثرهم يبكى كثيرا لاننا ندخل كالوحوش ونقتل فورا بدون سبب, فتح لنا الباب فدخلنا فورا ووجهنا بنادقنا على العائلة وانا كنت واحد من الذين اقتحمو البيت وكنا حوالي ١٢ عسكري وصف ضابط , وبعد دخولنا البيت رأينا ثلاث بنات والأم والأب , فسألنا الأب والأم فقلنا أين أيمن مرءة , وأين مجد مرءة, فقال لنا الوالد انهم عند اختهم يزورون هناك ويدرسون من أجل الفحص بعد اسبوعين, فاخذنا معنا الام وكانت خائفة جدا وزوجها كان خائفا أكثر والبنات اصفرت وجوههن , ذهبنا الى بيت ابنتها وكان المنزل في منطقة الحاضر فدخلنا البيت بعد ان كسرنا الباب, فوجدنا أربعة أطفال نائمين على الاسرة ومنهم من كان على الارض وكانت أمهم وأبيهم, ثم رأينا شاب عمره ١٨ سنة , كان هادئا وكان ابيض الوجه ,وجهه كالنور وكانت الكتب بين يديه يدرس في هذه الساعه المتأخره, وكان عنده طفلة جميلة جدا ترى البراءة في وجهها , وكانت الكتب أيضا بين يديها , كانواهم الوحيدين الغير نائمين, وبعد دخولنا استيقظ كل نائم فبدأ الاطفال بالبكاء والصراخ من الخوف, فسألنا الشاب ما اسمك قال ايمن مرءة , ثم سألنا الأم التي معنا أين ابنك مجد؟ فقالت ليس عندي ولد اسمه مجد عندي هذه البنت اسمها مجدة , فتفاجئنا ثم قلنا للرقيب هناك شيء خطأ, نحن أتينا الى هنا لنقبض على شابين أيمن ومجد ,و هذه بنت صغيرة اسمها مجدة , فاتصل الرقيب ونقل ذلك للضابط أمامي كنت أسمع كلامه حرفا حرفا , سيدي نحن وجدنا أيمن ولايوجد شاب اسمه مجد ولكن هناك بنت اسمها مجدة وهي اخته لأيمن ماذا تريدني ان أفعل؟ قال له الضايط اقبض على الاثنين,! قال له حاضر سيدي فدخلناالبيت مرة ثانية وطلبنا من أيمن ومجدة ان يلبسو ثيابهم ويذهبو معنا وهنا بدأت الأم والأخت الكبيرة في البكاء , فكان الولد يقول لأمه ماما ليه عم تبكي انا مالي عامل شي , هلا بحققوا معي وبرجع البيت فقبلته أمه ثم قال لها لاتخافي يا امي هلا برجع, وكانت الطفلة البريئة تبكي وتقول والله انا مالي عاملة شي , شو مساوية الله يخليكم أرجوكم , ثم ركضت الأم لبنتها مجدة وهي في حالة خوف شديد وتبكي وكل من في البيت كان يبكي ماعدا الشاب أيمن , وطوال الطريق للباب كانت البنت تتمسك بامها, فقالت الأم خذوني انا بدلا منها الله يوفقكم والله أولادي أبرياء وعمرهم ما آذو إنسان وبنتي هاي صغيرة أرجوكم أبوس أيدكم وأرجلكم , ولكن لم نكن نسمع ولا نحس كنا كالضباع والذئاب , لقد كان موقفا يبكي الحجر ويدمي القلب, فأمسكت انا بيد الولد وصديق آخر أمسك بيد البنت, ثم ركبنا سيارة الغاز ٦٦ فجلس الشاب أيمن في أرض السيارة وجلست الفتاة في مقابلي على المقعد الخشبي وانا كنت بجانب الشاب انظر الى وجهه واقول ماشاء الله وجهه نور, وكان هادءا جدا وبعدما مشينا بالسيارة خمس دقائق اتصل صف الضابط بالضابط وقال له لقد قبضنا على الاثنين سيدي , فقال له الضابط أعدمهم على الطريق , فقال حاضر سيدي!!
فتوقفت السيارة ثم نادى صف الضابط فلان وفلان فنزل اثنين من رفاقي , فقال اعدمو الشاب , ثم أنزلوا الشاب وكان سائق السيارة يلبس شماخ ,فربطوها على عيونه وكرفص الشاب , و هذا كان أمام عيني اخته الطفلة البريئة , وكانت تزيد في بكائها وتتوسل وتقول والله أخي بريء ارجوكم , وبعد ربط عيونه ابتعدو امتارا قليلة واطلقو عليه الرصاص مخزنين كاملين ٦٠ طلقة , وهو يقول الله اكبر الله اكبر , وبعدها توجه الجنود الى السيارة وركبوبها وبعد مسير دقيقتين وقفت السيارة ونادى صف الضابط باسمي ونادى لرفيقي وقال أنزلوا البنت وأعدموها , فنزلت أنا ونزل رفيقي وكانت الساعة الواحدة والنصف ليلا وأمسكت بيدها وأنزلتها من السيارة وكانت تلبس بوط جلد بني وتضع ايشاب على رأسها وتلبس مانطو وكان في رقبتها زردة ذهب خفيفة وهي تبكي طبعا عندما نزلنا من السيارة, كانت السيارة تبعد عنا اكثر من ٥٠٠ متر وكان الوضع متوترا جدا, حيث أن الاخوان كانوا يقاومون بشراسة وأصوات الرصاص والمدافع والقواذف كانت تملأ السماء وفي كل مكان , فأجلسنا مجدة على تلة تراب, وكنت لاأرفع نظري عنها وعندما جلست وهي تبكي بكاء شديد وترجف وتقول لي أبوس إيدك والله نا بريئة انا مابخرج من البيت ابوس اجرك, المنظر والموقف يا إخواني ليس كالكلام, وضعت يدي على ركبتيها وطلبت منها ان تعطيني الطوق برقبتها ذكرى , فقالت بكل براءة والله هذا هدية من عمي فطلبت منها ان اقبلها من جبينها وعيوني يملئها الدموع فرفضت , فنهضت وأنزلت بارودتي لكي اطلق الرصاص عليها وكان رفيقي يستعجلني ويقول لي بسرعة يافلان قبل ان تآتينا قذيفة اوقناصة, وعندما اردت ان اطلق النار بدأ جسمي يرجف وانا أنظر اليها وهي كالبدر وتبكي وتتوسل فوضعت بارودتي في كتفي وتركت رفيقي ومجدة وركضت وانا ابكي كالاطفال وجسمي كله يرجف, ووصلت للسيارة وعند وصولي قفزت الى السيارة وتمددت على بطني وغبت عن الوعي وبعد عشر دقائق سكبوا علي المياه وتفقدو جسدي حسبو انني اصبت فقلت لهم لا , فنزل جندي آخر وذهب لهناك واعدمو مجدة, فماتت الطفلة ومات قلبي معها ومع اخيها, وبعد عشر دقائق وصل الضابط بسيارته الجيب مع مرافقيه وقال ماذا حصل معكم قلنا له سيدي أعدمنا الشاب والفتاة فقال اين عدمتم الشاب آراد ان يتآكد فزهبنا لندله على الشاب ايمن ليراه والوقت بين اعدام الشاب واخته وقدوم الضابط ليتآكد كان حوالي ٢٥ دقيقة , وعندما ذهبنا رأينا الشاب ايمن وهو يتحرك ٦٠ رصاصة في جسمه ومازال يتحرك, فأخرج الملازم مسدسه ووضعه بعد شبرين عن راسه واطلق على رآسه اربع رصاصات وعدنا الى البنت فجاء الملازم ونظر اليها ووضع يده على نبضها ليتآكد انها ميته فكانت قد أسلمت روحها لبارئها , بعدها أصبحت عصبي المزاج جدا جدا, منذ تلك الحادثه تعذبت في حياتي ونفسيتي من ذلك الوقت وهي متلفه تعبه , اني أتخيل ذلك الموقف في كل وقت , كأنه أمامي وهو قد مضى عليه 31سنه .
اني اذكر كل قتيل قتل , اتذكر صياحه وفجعته , وأتذكر الأمهات والبنات الصغار كيف كانو يبكون من الرعب على أنفسهم وعلى أولادهم واخوتهم , اتذكر الدماء والجثث , انه شيء فظيع فظيع , الكلام والوصف ليس كالحقيقة ,لقد أعدمنا خيرة من شباب الوطن , انهم مثل الورود كانت أعمارهم بين ١٣ و١٤ و١٥ سنة, واغتصبنا النساء والبنات ونهبنا البيوت, إن أفعالنا والله لايفعلها اليهود, لقد قتلنا أهلنا وإخواتنا وأخواتنا بطرق وحشية , ودفنا أناس أحياء , لقد دمرنا البشر والحجر , وتركنا وراءنا آلاف الايتام وآلاف الأرامل . اني اختصرت لكم الكثير الكثير مما رأيت , وأقسم بالله العلي العظيم ان هذا ماحصل.
يا إخوتي اليوم قد مضى على هذه الجرائم حوالي ٣١سنة وكأنها أمامي الآن , منذ ذاك اليوم وحتى هذه الساعة وانا أصحوا باليل وأكلم نفسي, لقد قتلنا اكثر من خمسون الف واعتقلنا اكثر من ٣٠ الف شخص وحتى الآن لم يعرف أهلهم هل هم أحياء ام أموات.
إن الذي حصل بمدينة حماه ماهي الا جرائم ضد الانسانية , انها جرائم بشعة يندى لها الجبين , ان من يرتكب مثل هذه الجرائم لايمكن ان يكون فيه ذرة شرف اوانسانية اورجولة او اخلاق , انه وحش , أو إنه عديم الوصف فلا يوجد وصفا يوصف به هؤلاء القتلة السفاحين .
ومازال هذا النظام يعتقل ويقتل ويعذب وينفي ويرتكب كل اشكال وانواع الظلم, لايعتبر لطفلة او شاب او مسن او مريض يبطش وكانه هو الرب, وهو الخالق وأن له الحق في ان يقتل متى شاء ويعتقل ويسجن وينفي ويعذب متى شاء, اين العدل في هذا العالم والله ان اليهود أرحم منكم ياحكام سوريا , والله الذئاب أرحم منكم, والله الحيتان والتمسايح ارحم, ولله الوحوش ارحم منكم , يارب يارب يارب انت العزيز الجبار تمهل ولاتهمل يارب ان هؤلاء الحكام الظلمة قتلو اولادنا واغتصبو بناتنا ونهبو بلادنا وأذلونا وقهرونا بغير حق, يارب أرنا فيهم عجائب قدرتك , ياألله ان هؤلاء الظلمة استباحو ديننا وأعراضنا وسفكوا دماء اناس أبرياء, يارب أنزل عقابك عليهم في الدنيا قبل الآخرة, ياالله انت الذي تأخذ حقوق هؤلاء الشهداء حسبي الله ونعم الوكيل , حسبي الله ونعم الوكيل.
إني أعرف جميع الضبابط المرتكبين تلك المجازر , أعرف أسمائهم ورتبهم , وأتمنى أن اجد جهة ما حتى تساعدني كي أوثق كل هذا وأقسم بالله العظيم اني لم اضرب انسانا قط ولم اعدم انسانا قط ولم اسرق شيء ولم أؤذي انسان قط ولم اجرح إنسانا قط.

Sunday, January 01, 2017

مشكلة النصيريين في سوريا : ماذا نفعل بالنصيريين؟

مشكلة النصيريين في سوريا ماذا نفعل بالنصيريين؟

عندما قال رفعت الأسد لعناصره : "سأستبيح حماة اسبوع ومن سمعت أنه بقي بعدها فقيرا سألعن....." لم يكن شيئا يُعبر عن "حركة شعبوية" مثل هذه العبارة.  فالحركة الشعبوية ليست ظاهرة جديدة،  فالطائفية السياسية التي تتمثلت لاحقا بدولة :عدس" (علوي-سمعولي-درزي) ثم تحولت لاحقا لدولة علوية "سياسية" عام 1966 ومن ثم إلى دولة علوية عسكرية عام 1971.  هذه الدولة ركبت أعناق الناس بادعائاتها اليسارية وغطاء أمّنته مصطلحات الاشتراكية و"إعادة توزيع الثورة" التي لم تكن حقيقة إلا مفاهيم تضليلية ،  فكانت وعوده هذه الدولة ليست إلا دغدعة للعواطف وشراء ذمم وفرض الصمت المقترن بالقهر السياسي على المجتمع بينما تمارس هذه الطائفية السياسية في نهب البلاد،  وساعدها في هذا الشراذم والمتسلقين من الأغلبية من السنة والطوائف الأخرى.    

فعبارة رفعت الأسد الشهيرة رغم ظاهرها الطائفي ولكنها سياسية واقتصادية بالدرجة الأولى.  فهي تعبر في الواقع عن حال الطائفة في ذلك الوقت وفي يومنا هذا.  فهو تعبير عن الفشل الواضح في تحقيق أي تقدم حقيقي للطائفة يجعلها تشعر أنها أفضل من عامة السوريين أقتصاديا،  وقد كتبت قبل عشر أعوام : "فأبناءنا من الطائفة الذين ينتمون للقوات المسلحة بشكل أو بآخر ما زالت شروطهم المعاشية لم تتحسن. فهؤلاء ما زالوا يعيشون في ضواحي دمشق أوضاعا اقتصادية مشابهة لتلك التي دفعت آباءهم للالتحاق بالقوات المسلحة والرحيل من الريف السوري قبل نصف قرن. وما زالوا يشعرون بالأزمة الاقتصادية ولا يجدون منفذا لهم سوي الالتحاق بالقوات المسلحة. ومما لا شك فيه أن هناك تحسنا واضحا لكثير من العائلات التي تموضعت مصالحها مع العائلة الحاكمة لعقود طويلة. ولكن ما زال الوضع الاقتصادي للعامة الغالبة من أبناء الطائفة لا يوازي أبسط الطبقات من الطوائف الأخري. وعلي من يشك بهذه القضية أن يتساءل عن المهارات والحرف التي أمنتها الدولة كعملية تأهيل لأبناء هذه الطبقة. فاشتباكات عصابات حي (86) الشهير مثال واضح علي الأزمة التي يعيشها أبناؤنا من هذه الطائفة. وان كان التطوع بالجيش هو المخرج من قري الساحل قبل أربعين عاما فاليوم يبقي هو المخرج ذاته لأبناء الحي 86 من وضعهم الاقتصادي المأزوم. وهذا الوضع لم يكن نتيجة مؤامرة أمريكية ولا نزعة من نزعات شيراك الشخصية. بل كان سياسة عامدة متعمدة مقصودة لذاتها من قبل الأسدين الأب والأبن. فالهدف الأول وراء هذه الوضعية أن يؤمن النظام مصدرا يزوده باليد العاملة الرخيصة وعناصر الأمن والقوات المسلحة التي يعتقد القائد زيفا ولائها الأعمي له بناء علي ولاءات طائفية محضة." 
  
الوضع اليوم لم يتحسن للطائفة رغم تراكم المسروقات أو عائداتها المباعة في "سوق السنة"، فتراكم المال لايعني القدرة على الانتاج،  والانفاق من المتراكم دون انتاج سيتوقف يوما من الأيام ما لم يجد رديفا بالإنتاج او بالجريمة.  فالوضع الاقتصادي مازال كما هو ؛ ولا أمل بمخرج اقتصادي لهذه الطائفة؛ فهي ورغم 60 سنة من الحكم والنهب المنظم لم تستطع أن تتحول إلى عنصر منتج في المجتمع ؛ فكل انجازاتها ومهاراتها لا تتجاوز جهازي الأمن والمخابرات. فلم يستطع النظام أن يُعلّم أبناء طائفته مِهنا أو يمنحهم شهادات يعملون بها، فبالتالي لا أمل لهم إلا بالتحاقهم بالأمن أو بالحرس الجمهوري أو بالجريمة المنظمة. 

اليوم تستمر لعنتهم على سوريا،  فمع سقوط النظام الحتمي سيتم تنسيقهم من صفوف الدولة  بشكل أو بآخر تدريجيا (مع استمرار الحل السياسي) أو دفعة واحدة (مع انتصار عسكري) ؛ وتوقعي أن تتحول مناطقهم ومستعمراتهم  (يسمي الدمشقيون أحياء العلوية المحيطة بدمشق بالمستعمرات) إلى مناطق موبوءة تتركز فيها الجريمة والمخدرات.  وحتى الآن لا نعرف مدى الاختلال السكاني في الطائفة بين الذكور والإناث، وإن صحت التوقعات الأولية لدرجة هذا الاختلال  فإننا سنشهد الكثير من العائلات منهم من غير معين ، وهذا الاختلال سيترافق مع المشكلة الاقتصادية وضعف الحامل الأخلاقي سينتج عنه أن نضيف إلى نشاطات الجريمة المنظمة والمخدرات  شبكات الدعارة.  ولن يكون غريبا أن نرى أن قيادات هذه الشبكات هي نفسها القيادات الأمنية المسرحة أو المطرودة من أجهزة المخابرات أو الحرس الجمهوري.  وهكذا سيجد العلويون أنفسهم يعملون للسيد العلوي من جديد. 
هذه المشكلة ليست مشكلة علوية كما سيعتقد البعض.  ولكنها مشكلة سورية.  فهؤلاء سيكون حجر عثرة في نمو وتقدم سوريا الحرة. ولابد لنا من وضع السياسيات التي تكفل بمعالجة هذه المشكلة بأعدل الطرق وأقلها ضررا على البلاد وأسرعها نتيجة.   وإن كنت في مقالي هذا أتكلم عن المشكلة العلوية ولكن في الحقيقة تعاني الأغلبية غير العلوية من مشاكل اقتصاديات ما بعد الحرب.  ومازالت كل المفاوضات تدور حول مسائل لا علاقة لها بجوهر مشاكل ما بعد سقوط النظام ؛  فالنظام وعملائه من المعارضة يعتقدون أنهم وضعوا الآليات التي تضمن تدفع "أموال الأعمار" من المانحين إلى جيوبهم واحتكاراتهم.  وهم يعملون تحت فرضية خاطئة؛ وهو استمرارية الوضع الراهن (قبل 2011)  فلا الشعب السوري اليوم اصبح مثل ماكان قبل الثورة ولا متطلبات الإعمار تستطيع أن تُلبى بالقليل القادم ما لم يستعمل بفعالية عالية.  فالثورة اليوم مطالبة أكثر من ذي القبل بالتفكير بمسائل مابعد النظام المصيرية،  ومشكلة العلويين جزء من هذه المشاكل، ولكن مشاكل الأغلبية لا تعتبر "مُعضلات" إذا وضعت الأمور بيد أغلبية مخلصة.  وعليها –هذه الأغلبية - أن تفكر بلائحة طويلة من المشاكل تبدأ بالتأهيل النفسي والاقتصادي لشباب الثورة و اعادة تأهيل المؤسسة العسكرية والأمنية وتحرير العملية الانتاجية  وأعادة بناء البنية التحتية ؛ ولا تنتهي بالمشكلة العلوية ؛ ولكن المشكلة العلوية ستبقى وسيلة لاختراقات أجنبية (أبسطها حالة شيعة لبنان مع إيران) ومن الممكن أن تكون هذه الطائفة وسيلة لعرقلة كل معالجات المشاكل الأخرى . 

محي الدين قصار
شيكاغو
1\1\2017 

Saturday, December 31, 2016

سوريا والبرنامج الروسي القادم :

سوريا البرنامج الروسي القادم : 
الاتفاق ـ في العقل الروسي ـ هو محاولة لتحديد معالم "خريطة عمل" للصراع الروسي-الأمريكي في عهد ترامب.  فما يرغبه المخططون الروس هو خلق الأوضاع التي تجعلهم الأداة الضرورية التي لا غنى عنها في محاربة "الإرهاب الإسلامي." وهكذا فالاتفاق يُمهد الوضع لاعادة اصطفافات محلية،  فيتحول الروس لرعاة لـ"فصائل الثورة المسلحة"،  ومن لا ينضم تحت هذه الرعاية سيُلحق ، على الاقل اعلاميا ـ بـ"الدولة_الإسلامية"  أو بـ"النصرة".  وهكذا ستكون الإدارة  الأمريكية ـ على الأقل بمخيلة المخطط الروسي ـ أمام الخيار "الأسلم" وهو : "اعتماد روسيا كوكيل يتولى أمل الإرهاب في سورية."  طبعا هذا الأمر لمح له ترامب أكثر من مرة ولكن لا اعتقد أن من يقف خلف ترامب سيوافقه على هذا وتكرار خطيئة اوباما (القيادة من الخلف).  
فلو تم للروس هذا فسينقلون الحكم من الأسد لأحد ضباط المخابرات العسكرية المرتبطين بشكل عضوي بالمؤسسة العسكرية الروسية تاريخيا.  ويتم تصفية الثورة باسم محاربة الإرهاب بسكوت وقبول أمريكي-دولي. 

يتطلب إدارة هذا الوضع قبول الفصائل الثورة المسلحة،  هذا الأمر ليس بالأمر الصعب، فتفرقها وتشتتها وغياب الرؤية الاستراتيجية عند كل مستويات القيادة فيها كفيل بأن يضمن انصياعها للأرادة الروسية.  الطرف الآخر هو الأسد وجماعته،  لذلك فهو لديه رغبة قوية بأن يبق "كأداة محاربة الإرهاب"  وتاريخه الطويل في هذه اللعبة يعطيه بعض الخبرات، ويأتي استمرار وجوده كعنصر داعم لـ"الفوضى الخلاقة" الشهيرة وطالما أنه يستطيع أن يضمن أن تبق هذه الفوضى منضبطة فوجوده مرحب به من أصحابها.  ولكن الحسابات الروسية لا تهتم بالأسد كشخص طالما عندها جيش من الضباط الذين يمكنهم أن يُبقووا العلويين ضمن اللعبة فالاستمرار مع الاسد كعائلة سيصبح قريبا عائقا اكثر منه مفيدا. 
وحدهم النظام الإيراني والمتأيرينون العرب من سيجد موضع قدمهم مهدد في سوريا. وعزائهم الوحيد أن يستمر وجودهم على الطاولة العراقية واعتماد الإدارة الأمريكية عليهم.  فأملهم دوما بخدمة المشروع الأمريكي في العراق كوسيلة للحوار مع الأمريكان.  معضلتهم ان هذا ليس بيد أوباما إلا لأسابيع ثلاثة أخر،  والقادمون إلى الإدارة الأمريكية لم يتعاملوا تاريخيا مع آيات قم إلا كشيطان لابد منه.  لذلك سنجد النظام الإيراني وأدواته "الأسد والعرب المتأيرنه"  هو من سيحاول جهده نسف الاتفاق الروسي.  

هذه ليست أمنيات بقد ما تفرضها خيارات كل لاعب في الساحة السورية،  وقد يبدو للبعض أن هناك خيارات أخر، ولكن الحقيقة أي خيارات تطرح تحتاج لعنصرين.  العنصر الأول هو تغيير موازين القوى على الساحة أما الثاني فهو امتلاك الإرادة السياسية والبرجماتية لفرض خيارات جديدة. إدارة الرئيس المنتخب ترامب قد تملك في جعبتها ما يبطل كل هذه الخيارات ويفرض خيارات جديدة، وحدها الأيام ستعلمنا في الأيام القادمة.  مما لا شك فيه أن خيار ترامب التعاوني مع روسيا له أعدائه الكثيرين في الطبقة السياسية الأمريكية،  فجمهوريين وديموقراط يتعاونون في الأيام الأخيرة لخلق قواعد قانونية واجرائية تكبل يدا الرئيس القادم وتجعل تقاربه مع النظام الروسي أكثر صعوبة استراتيجيا وإجرائيا. 
وأخيرا،  في هذه الأجواء الدولية تبق النصيحة الوحيدة لثوار سورية أن يدخروا سلاحهم فمازالت المعركة طويلة. أن أي محاولة لأشغالهم بمعارك جانبية مع أي طرف غير النظام لن يصب إلا بمصلحة النظام. 
  
محي الدين قصار

12\31\2016 

2017 ومابعدها: مشروع رب العالمين إلى العالمين إلى أين؟

2017 ومابعدها: مشروع رب العالمين إلى العالمين إلى أين؟ 

كثيرة هي القنابل الدخانية التي تهدف لاضاعة الوقت والابتعاد عن طرح الأسئلة الحقيقية على الأمة.  وإن الجدل الطويل هذه السنة الذي نراه حول "حرمة المعايدة والاحتفال بأعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية" الا مثال على ذلك.   وسنرى خلال 2017 لائحة طويلة من هذه القضايا الجانبية تثيرها وسائل الاعلام وناشطي التواصل الاجتماعي شبه الرسميين.   
مثال على هذه الأسئلة المصيرية:   أمام الحرب الصليبة التي تعلنها الإدارة  الأمريكية الجديدة ؛ ما هي رسالة الأمة ووسائل تحقيقها هذه السنة ؟

نعم؛ من لا يقرأ الإدارة  الجديدة بهذا المنظار لا يفقه شيئا بالتركيبة الامريكية.  وعندما أقول "حرب صليبية" فلا يعني ان المسلمين وحدهم هم المستهدفين بهذه الحرب،  بل كل نصارى الشرق معهم مستضعفي العالم من مانيلا في الفلبين إلى بوتو في كولومبيا سيكونون وقودا لهذه الحرب سواء أرادوا أم لم يريدوا.  هؤلاء المستهدفين يُضم في اجنحتهم العامة من الأوربيين،  ولكن تمكنت المشاعر القومية والحركة الشعبوية التي تجتاح العالم أن توهم هؤلاء "المستضعفين البيض" أن لهم مصلحة في هذه الحرب المعلنة على الإسلام.  وسيضمن سفهاء المسلمين وغلاتهم أن تستمر تغذية هذه المشاعر عند الجميع خدمة لأصحاب "الحرب الصليبية" غير المُعلنة.     
هذه الأجندة ستبقى حتمية طالما استمر المسلمون بتكرار الماضي ؛ وطالما تعامت القيادات السياسية التي تتحكم ببلادهم عن حقيقة المعركة وطبيعتها متسلحة بعقلية سياسية مُبسّطة أقرب للبداوة. ولكن هذه الحرب المعلنة والهزيمة القادمة بامكانها ان تفقد حتميتها لو استطاع العالم الاسلامي أن يستشرف دوره الحقيقي وأهميته في قيادة الإنسانية في القرن الواحد والعشرين،  والسؤال الذي يجب أن نطرحه إلى أين نقود هذا العالم؟ وكيف نُزكيّه ليرتقي بعيدا عن الوحل الذي يعيش به؟  أما من يطرح علينا أسئلة مثل سؤال هل نهنئ العالم على سنته الجديدة؟ فأعلم أنه قد لا يكون يملك من رسالة رب العالمين إلى العالمين شروى نقير. 

محي الدين قصار 12\31\2016