Wednesday, May 30, 2018

المال العام مرة ثانية

يقول أحد الـ"ثوار" بانه مستعد لتقاسم أرباح  معبر حدودي مع النظام. طبعا العبارة بذاتها تحمل مغالطات المفاهيم العوجاء التي تحملها قيادات الثورة والتي ترى في نفسها "وريثة الدولة."  
فالثورة حالة رفض لكل القيم القائمة والتي تحكم علاقة السلطة بالمجتمع.  فكما تعاملت الدولة على مدى ستين سنة على أنها "مزرعة الملك"  حيث يكون المال مال الطاغية وله أن يجمعه كيف شاء وان ينفقه كيف اراد.  كذلك بعض الثوار، يتحولون بتبني نفس المبادئ من ثوار إلى قاطعي طرق.  
فالنظام الذي لم ينتخب بإرادة حرة لا حق له بفرض أي نوع من الضرائب لا على الحدود ولا في غيرها.  والمال الذي بيده كله مغتصب. أما الثوار أو ما يسمى بالثوار فالمال الذي بيدهم ليس مالهم، والثورجي الذي يريد أن يتقاسم "الأرباح مع النظام" لم يخوله أحد بجني هذه "الأرباح" ولم يبين لأحد أين ستنفق. 
كما أن هذه لا يمكن أن تسمى أرباحا بأي شكل من الأشكال، وبأي صفة تؤخذ من الناس هذه الأموال. فلافرق بينه أن وضع الحاجز عى نقطة حدودية ةبين قاطع طريق يسطو بالسلاح على الناس في مسارهم.   
    

Monday, March 12, 2018

يبدو أن غليون مثله مثل النظام يحتاج شعب "تفصيل" على كيفه:

يبدو أن غليون مثله مثل النظام يحتاج شعب "تفصيل" على كيفه:

كتب الأستاذ محمد صالح عويد

المفكر البروفيسور برهان غليون ، في ردّ على تهافت التهافت :

"سيدي الكريم، لأني لا أحب الكتابة في التعليقات، والدخول في معمعة السب والنقاش مع الآخرين. أكتب إليك بشكل خاص. أقول لك إن أمثالك هم السبب في ما وصلنا إليه من دمار وقتل وتهجير. أمثالك أحيوا في كثير من فئات الشعب، في البداية، أملا وحلما بسورية متطوّرة، حديثة، علمانية، متقدمة. أمثالك ممن دخلوا قلوب الناس وعقولهم بشخصيتهم الراقية قد حفزتم الناس على رفض النظام الذي أراه، لو بقي كما كان، لكان الأفضل لنا جميعا. لم تحسنوا قراءة الشعب السوري الغارق في جهل الإسلام، والعصبية العمياء، والانتماء القبلي والطائفي، فأوديتم بالبلد والشعب إلى الهاوية. للأسف، ما حدث لم يكن ثورةً على الجهل والتخلف، بل كان حركة غوغاء، نتائجها كانت تدمير الإنسان قبل المكان. أصبح الموت والأموات من تفاهات الحياة اليومية في سيرتنا".
هذا نص رسالةٍ وصلت إلي على صفحتي الشخصية قبل أيام. وهي تُوجّه إلينا من دون مواربة وببساطة، أعني إلى المثقفين الذين ناصروا الثورة الشعبية، تهمة الجهل وسوء التقدير، إن لم يكن إغواء الجمهور وخداعه وتضليله. لا تقول الرسالة: إذا لم تكونوا واثقين من النصر، فلماذا ورّطتم الشعب في حركةٍ ستجرّ عليه الأهوال، كما هو شائعٌ في حالاتٍ مماثلة، ولكن، أبعد من ذلك، كيف دفعتم الشعب إلى الثورة، وأنتم تعلمون جهله وتعصبه وطائفيته؟

لسنا هنا أمام نقد للفكر والمفكرين التحرّريين فحسب، وإنما أمام إدانة جوهرية للشعب، تنطوي على يأسٍ من أي تحول أو تغيير ممكن، الآن وفي المستقبل. نحن إزاء نفي مطلق لشرعية الثورة نفسها في شروط مجتمعاتنا العربية.
يفترض كاتب الرسالة أنه كان للمثقفين الدور الأول في اندلاع ثورة السوريين، وأن خطابهم، وربما بعض ملامح شخصيتهم المدنية الراقية، كما يقول، قد خدعت الجمهور وشجّعته على الخروج على النظام القائم. ويتضمن هذا الافتراض ثانيا أن الشعب لا يملك الوعي ومنظومة القيم التي تسمح له بالقيام بثورة، وأنه إذا ثار فلن تكون ثورته سياسية، وإنما حركة غوغائية، نظرا لجهله وتعصبه وطائفية معظم فئاته، فهو يفتقر إلى أي مبادرة ذاتية. ويتضمن ثالثا أن ما حصل من خرابٍ ودمار وقتل وتشريد أصاب ملايين الناس لم يكن نتيجة الحرب التي شنها النظام لقمع ثورة، وإنما هو ثمرة الحركة الغوغائية التي أطلقها، والتي لا يمكن أن تقود بالتعريف، أي بسبب غوغائيتها، إلا إلى ما شهدناه من خرابٍ ودمار وقتل. وتتضمن رابعا أن سياسة النظام لقمع الثورة/ الحركة الغوغائية لم تكن خاليةً من العقلانية، إن لم تكن شرعية. وخامسا، المسؤولية الرئيسية في ما وصلت إليه الأمور تقع على كاهل المثقفين السوريين، وأنا في مقدمهم، لجهلهم بطبيعة شعبهم البدائية، أو لرغبتهم في تضليله، طمعا في السلطة أو تعلقا بحلم تحرّري، لا مجال لتحقيقه في سورية، وربما في العالم العربي والإسلامي بأكمله. وبطريقةٍ ارتجاعيةٍ، يمكن أن نستنتج أن نظام الأسد، أو ما يشابهه من الأنظمة المجاورة، هو النظام الأكثر ملاءمة للشعوب العربية الأمية، وأن أصل الداء في مجتمعاتنا ليست النظام، وإنما الشعوب البدائية، أو بدائية الشعوب، وكل من يتعاطف معها من المثقفين والسياسيين الحالمين، أو الذين يخدعون أنفسهم بتعلقهم بمبادئ وقيم لا يمكن تطبيقها في الواقع.

(2)
ليس هناك شك في أن المثقفين مسؤولون عن نشر الأفكار التي ألهمت الثورة بمقدار ما قدمت للمجموعات النشطة التي قامت بإشعالها أهدافا تضفي الشرعية على عملهم، وتسمو به فوق المصالح والمنافع الوقتية والمادية. وبالفعل، من دون أفكار ملهمة وموجهة ومقنعة، لا تقود الاحتجاجات بالضرورة إلى ثورةٍ طويلة المدى وشاملة. لكن المثقفين لم يكونوا مع ذلك، مهما كانت نوعية أفكارهم وشعاراتهم وسلامتها أو خطئها، المفجرين الحقيقيين لها. المسؤول الأول عن إيجاد شروط الثورة وتفجيرها هو النظام السياسي، وخياراته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية أو التربوية، البعيدة والقصيرة المدى معا، وهي الخيارات التي تعاملت مع الشعب باعتباره قاصرا أبديا، وقرّرت أن تحكمه بالقهر، وتفرض عليه الصمت، واعتمدت من أجل إخضاعه والحصول على طاعته وسائل الإرهاب والترهيب البدائية الأكثر عنفا.
هكذا لم يعد الأمن يعني ضمان الدولة حقوق الناس ومصالحهم وسلامتهم الشخصية، الجسدية والمعنوية، وإنما بالعكس تماما، وضعهم تحت التهديد الدائم للأجهزة التي تعمل على تعريتهم من أي حماية قانونية أو أهلية أو أخلاقية، لتأمين طاعتهم المطلقة وانقيادهم، من دون سؤال، من أجل توفير الأمن والاستقرار والبقاء الأبدى للنظام. لم تقبل السلطة، في أي وقت، الاعتراف بوجود شعب، باعتبار هذا الشعب طرفا له حقوقه ومصالحه ورأيه في ما يمس حياته ومصيره، ولا أقول سيادته، كما ينص الدستور. وهي ترفض رفضا دينيا فكرة الحوار معه، أو التفاوض مع أطرافه لأي هدفٍ كان. واعتقدت دائما أنها تستطيع أن تضمن إذعانه من دون تنازلات، مهما كانت، معتمدةً على تحكّمها بشروط حياته، ووضعه في حالة تبعية مطلقة لها، أفرادا وجماعات، واستخدام جميع وسائل العنف المادية والمعنوية لتركيعه، واحتكار وسائل الإعلام والتربية والثقافة، ووضع يدها على جميع موارد البلاد وتحكمها من خلال أجهزتها القمعية بكل فرص العمل ومنافذ الريح في قطاع المهن الحرة والوظيفة العمومية، لتطويعه. وعندما لا ينفع ذلك تماما ممارسة أسلوب العقاب الجماعي والمنفلت من أي رقابةٍ أو قيدٍ قانوني أو أخلاقي، بحيث لا يعرف الفرد الذي تبدو عليه علامات الامتعاض ما يمكن أن يواجهه من عقاب. وفي أغلب الأحيان، ليس عما يقوله أو يفعله، وإنما عما لا يفعله، وما لا يعجب رجل الأمن في سلوكه، أو تصرفاته أو عشرته، وربما لون ملابسه أو نظراته أو طريقة سيره.
ولأن النظام كلما زاد تسلطا وأمنا زاد فسادا، وأصبح أكثر غيرة على مصيره، وهوسا في الدفاع عن أمنه، لم يجرؤ، في أي وقتٍ، على التخفيف من عنفه الشامل الذي شل بتعميمه المجتمع. وكلما زاد هذا المجتمع استسلاما له، زاد هذا النظام طموحه إلى أن يجعل من وجوده قدرا لا فكاك منه، وانتهى به الأمر إلى أن يجعل مركز نشاطه وبرنامج عمله الرئيس تنظيم الحرب الوقائية الرامية إلى التحييد الدائم والشامل للمجتمع، بما فيه من يواليه منه، وتعميم أعمال الترهيب الجماعي التي لا تهدف إلى عقاب أفعال أو أقوال اعتراضية، وإنما إلى تثبيت الخوف والرهبة في النفوس، والحيلولة دون ظهور أي بوادر احتجاجية من أي نوع كان.
ليس ما يُؤخذ على المثقفين السوريين، أو ما ينبغي أن يؤخذ عليهم، نشرهم قيم الكرامة والحرية والعدالة والمساواة في المواطنة وحكم القانون، التي ضللت الشعب وحفّزته على الانتفاض، وهو غير أهل له، كما يعتقد كاتب الرسالة، ولا وقوفهم إلى جانب الجمهور، والسعي إلى توثيق العلاقة معه، وترشيد حركته، وتوجيه انتفاضته نحو أهدافٍ إيجابية، وتجنيبه الانحراف نحو المهاوي الطائفية والانتقامية التي كان يدفعه إليها النظام. ما ينبغي أن يُؤخذ عليهم، بالعكس تماما، هو تقصيرهم في القيام بدورهم هذا، ووقوف عديدين منهم، إن لم يكن أكثرهم، موقف التردد أو الحياد والهرب من المسؤولية. وترك الجمهور تقريبا من دون قيادةٍ سياسيةٍ وتوجيه فعليين.
وبالمثل، إذا كان من الصحيح إنه لا يمكن للشعب المقهور والمحكوم بالإعدام السياسي والعطالة المدنية، والموضوع في قفص الاتهام، وتحت الحراسة والمراقبة اليومية، أن يكون مستقلا وقادرا على أخذ المبادرة، ولا أن يتجرأ على الانتفاض وحده لولا تحفيز الآخرين. فمن الأصح أن الشعوب لا تعيش في معزلٍ عن بعضها بعضا، ولا في كرة مغلقة. إنها تتفاعل في ما بينها، وتحرّكها ديناميكيات عميقة باطنية، عابرة للحدود وأحيانا للقارات. ليس المثقفون من أشعل فتيل الثورة السورية، وأطلق ماردها من القمقم، وإنما ثورات الشعوب العربية المجاورة التي أظهرت للجمهور المخنوق بالملموس أن إسقاط صرح الطغيان ليس من المستحيلات، وأن الأمر لا يحتاج عبقرية فذّة، ولا وسائل واستراتيجيات بعيدة المنال. فكل الشعوب قادرةٌ على تسيير تظاهرات، والاحتشاد في الساحات العامة، وانتظار سقوط النظام. وكان من الصعب ألا تلتقط هذه الفكرة البسيطة مجموعاتٌ صغيرة من الشباب الذين لا مستقبل لهم، في نظام يسدّ عليهم كل أبواب الحياة، والذين لم يشهدوا أحداث الثمانينات من القرن الماضي، ويروا بأم أعينهم جثامين ضحايا مجازر حماة وجسر الشغور وتدمر وغيرها، ويستبطنوا الصدمة النفسية التي شلت إرادة آبائهم عقودا طويلة، وربما للأبد.

(3)
رمي مسؤولية ما حصل على الوعي المتخلف للشعب لا يسعف أحدا. صحيحٌ أن قطاعاتٍ من المجتمع السوري قد أظهرت، في بعض مراحل الثورة، وربما قبلها أيضا، بعض أعراض الجهل بالإسلام، أو التفسير الخاطئ للدين، ومشاعر الطائفية، والتعصب، والكراهية، كما هو الحال في مجتمعات أخرى عديدة. لكن هذه الأعراض لم تحدث، ولا يمكن أن تحدث ثورات. وليست هي التي تصنع الأحداث، وتتحكم بمجرى التاريخ والتحولات الكبرى. ولا تمثل ماهيةً ثابتة لأي شعب.
الجذور العميقة للممارسات الطائفية وإحياء روح التعصب المذهبي والقبلي والجهوي موجودة في أساسات نظام الأسد، وهي التي تميزه وتعبر عن جوهره، باعتباره نظام التمييز الطائفي والمحسوبية والعنصرية الاجتماعية واللعب على الانقسامات الأفقية والعمودية وتزوير الحقائق بامتياز، وهذا ما يفسر أيضا ما بدر منه من مشاعر الحقد والانتقام والكراهية والتشفّي، وبرّر في عيون مليشياته عمليات القتل بالجملة للمعارضين والمدنيين من دون حساب. الوحشية والطائفية وروح الكراهية التي سيطرت على بعض قطاعات الرأي العام السوري هي رد الفعل المباشر والأعمى على الطابع الوحشي والطائفي الذي طبع أسلوب حكم الأسد ومعاملته محكوميه خلال نصف قرن. وعلى رهانه الدائم على بث الفتنة داخل صفوف الشعب للتحكّم به، وتضليله، ودفعه إلى الارتماء في أحضان رجال الدين، لفصله عن نخبه الثقافية والسياسية الواعية، في سبيل حرمانه من أي فرصةٍ لتنظيم مقاومة بناءة، وتقويض أي أملٍ له بالخلاص.
مهما كان وزن الأفكار الثورية والتحرّرية وتأثيرها، ما كان من الممكن لها أن تقاوم استراتيجيات النظام المعزّزة بأجهزته وأجهزة حلفائه الأمنية والإعلامية الواسعة والمتعدّدة المتربصة بفصائل ومجموعات ثورية مفتقرة للقيادة السياسية الواحدة، واستغلال أخطائها لتبرير
عنفه، والتغطية على خياراته الإبادية. كان تفجير حرب طائفية موازية للثورة السياسية السلمية، لم يوفر نظام الأسد وسيلةً من أجل إشعالها، الوسيلة الوحيدة لاستبدال سردية الثورة بسردية الحرب الأهلية، وإجبار قسم من الشعب على الالتحاق باستراتيجيته، باسم الدفاع عن الأقليات، قبل أن ينتقل، في مرحلةٍ تاليةٍ، إلى تفجير حرب ضد الإرهاب الذي كان أول من أطلق سراح قادته ورجالاته.
لم تكن مظاهر الجهل والتعصب والطائفية والقبلية التي انبعثت في سياق الثورة عفوية ولا بريئة. لقد تم تصنيعها في الصراع ومن أجله، وبإرادة النظام، وبمساعدة أجهزته ذاتها، ولهدفٍ واضح وعلني، هو دفن المحتوى التحرّري والمطالب الديمقراطية للثورة تحت طبقةٍ سميكةٍ من غبار النزاعات الفكرية والطائفية، وإحياء العصبيات القبلية الدارسة.
ليست الثورة والحرب التي أعلنها النظام عليها، والتدخلات الأجنبية التي استدعاها لتعزيز قواته، والحروب الجانبية والموازية التي أطلقها، الأقوامية والطائفية والمذهبية ثم الإرهابية، والقتل والدمار الذي رافقها جميعا، ليس ذلك كله من صنع المثقفين. وهو ليس من صنع الشعب البسيط الذي كان يحلم، مثل جميع الشعوب، ببعض الكرامة والحرية والأمان والاعتبار. كان ذلك من مقتضيات الحرب البربرية التي أعلنها النظام وحلفاؤه على الشعب لسحق إرادته، وإجباره على قبول الأمر الواقع، والاستسلام للسلطة الجائرة والفاسدة التي تحكمه، وتتحكم بحياته وأرواح أبنائه منذ نصف قرن. بديل الثورة، التي كانت وستبقى أكبر حدثٍ مجيد في تاريخ سورية الحديثة، وأعمقها أثرا وتعبيرا عن إرادة التحرّر وروح البطولة والكفاح التي تسكن اجسام السوريين وقلوبهم، كان ولا يزال قبول الشعب بالعبودية كخيار وحيد وكمصير أبدي.



لم يكن الصراع في أيٍّ من مراحل الثورة صراعا على الثقافة، ولا على المواقع الطبقية، ومن باب أولى على المحاصصات الطائفية والعشائرية. كان بوضوح الشمس على الوجود بين نظامٍ جعل شرط بقائه تغييب الشعب وإعدامه وشعبٍ لم يعد قادرا على البقاء من دون التخلص من قهر النظام وإسقاطه. وبين العبودية والحرية لا يوجد نصف خيار.

Friday, January 26, 2018

خمس رسائل إلى أمي: نزار قباني

صباحُ الخيرِ يا حلوه..
صباحُ الخيرِ يا قدّيستي الحلوه
مضى عامانِ يا أمّي
على الولدِ الذي أبحر
برحلتهِ الخرافيّه
وخبّأَ في حقائبهِ
صباحَ بلادهِ الأخضر
وأنجمَها، وأنهُرها، وكلَّ شقيقها الأحمر
وخبّأ في ملابسهِ
طرابيناً منَ النعناعِ والزعتر
وليلكةً دمشقية..
أنا وحدي..
دخانُ سجائري يضجر
ومنّي مقعدي يضجر
وأحزاني عصافيرٌ..
تفتّشُ –بعدُ- عن بيدر
عرفتُ نساءَ أوروبا..
عرفتُ عواطفَ الإسمنتِ والخشبِ
عرفتُ حضارةَ التعبِ..
وطفتُ الهندَ، طفتُ السندَ، طفتُ العالمَ الأصفر
ولم أعثر..
على امرأةٍ تمشّطُ شعريَ الأشقر
وتحملُ في حقيبتها..
إليَّ عرائسَ السكّر
وتكسوني إذا أعرى
وتنشُلني إذا أعثَر
أيا أمي..
أيا أمي..
أنا الولدُ الذي أبحر
ولا زالت بخاطرهِ
تعيشُ عروسةُ السكّر
فكيفَ.. فكيفَ يا أمي
غدوتُ أباً..
ولم أكبر؟
صباحُ الخيرِ من مدريدَ
ما أخبارها الفلّة؟
بها أوصيكِ يا أمّاهُ..
تلكَ الطفلةُ الطفله
فقد كانت أحبَّ حبيبةٍ لأبي..
يدلّلها كطفلتهِ
ويدعوها إلى فنجانِ قهوتهِ
ويسقيها..
ويطعمها..
ويغمرها برحمتهِ..
.. وماتَ أبي
ولا زالت تعيشُ بحلمِ عودتهِ
وتبحثُ عنهُ في أرجاءِ غرفتهِ
وتسألُ عن عباءتهِ..
وتسألُ عن جريدتهِ..
وتسألُ –حينَ يأتي الصيفُ-
عن فيروزِ عينيه..
لتنثرَ فوقَ كفّيهِ..
دنانيراً منَ الذهبِ..
سلاماتٌ..
سلاماتٌ..
إلى بيتٍ سقانا الحبَّ والرحمة
إلى أزهاركِ البيضاءِ.. فرحةِ "ساحةِ النجمة"
إلى تختي..
إلى كتبي..
إلى أطفالِ حارتنا..
وحيطانٍ ملأناها..
بفوضى من كتابتنا..
إلى قططٍ كسولاتٍ
تنامُ على مشارقنا
وليلكةٍ معرشةٍ
على شبّاكِ جارتنا
مضى عامانِ.. يا أمي
ووجهُ دمشقَ،
عصفورٌ يخربشُ في جوانحنا
يعضُّ على ستائرنا..
وينقرنا..
برفقٍ من أصابعنا..
مضى عامانِ يا أمي
وليلُ دمشقَ
فلُّ دمشقَ
دورُ دمشقَ
تسكنُ في خواطرنا
مآذنها.. تضيءُ على مراكبنا
كأنَّ مآذنَ الأمويِّ..
قد زُرعت بداخلنا..
كأنَّ مشاتلَ التفاحِ..
تعبقُ في ضمائرنا
كأنَّ الضوءَ، والأحجارَ
جاءت كلّها معنا..
أتى أيلولُ يا أماهُ..
وجاء الحزنُ يحملُ لي هداياهُ
ويتركُ عندَ نافذتي
مدامعهُ وشكواهُ
أتى أيلولُ.. أينَ دمشقُ؟
أينَ أبي وعيناهُ
وأينَ حريرُ نظرتهِ؟
وأينَ عبيرُ قهوتهِ؟
سقى الرحمنُ مثواهُ..
وأينَ رحابُ منزلنا الكبيرِ..
وأين نُعماه؟
وأينَ مدارجُ الشمشيرِ..
تضحكُ في زواياهُ
وأينَ طفولتي فيهِ؟
أجرجرُ ذيلَ قطّتهِ
وآكلُ من عريشتهِ
وأقطفُ من بنفشاهُ
دمشقُ، دمشقُ..
يا شعراً
على حدقاتِ أعيننا كتبناهُ
ويا طفلاً جميلاً..
من ضفائره صلبناهُ
جثونا عند ركبتهِ..
وذبنا في محبّتهِ
إلى أن في محبتنا قتلناهُ...

Saturday, December 02, 2017

تفكيك البنية الأمنية والعسكرية: كيف؟

لا تستطيع أن تقدم عرض تفكيك البنية الأمنية والعسكرية للقطر دون تقديم بديلا لاعادة التركيب واضحا وصريحا.  فاقطار العالم العربي ليست أوطانا ولا دولا دون الجيوش.  فلو اختفى الجيش الفرنسي لبقيت فرنسا فرنسا،  ولكن حال الدول العربية ليست كذلك،  فهناك تماهي بين القطر والدائرة الأمنية

على الثوار أن يقترحوا حلولاحقيقية. وحلولا ممكنة.  لا يستطيع أي بلد في العالم أن يرسل في ليلة وضحاها مليوني عسكري وأمني إلى بيوتهم.  ولكن الحلول التي علينا رؤيتها ووضعها في الجدار الأمني هو "كيف يمكننا تغير آجرة في هذا الحائط لنجد أن الحائط ككل قد تغير بعد حين.  هذا الكلام ليس لمصلحة الغرب أو الشرق،  بل لمصلحة استقرار سورية والسوريين كلهم

في 2013 نشرنا أوراق تحت مسمى "المبادرة الجهادية"  أليكم ورقة منها قد تعكس بماذا أفكر اليوم،  لايحتاج المفاوضون أن يتبنوها كلها ولكن هذه البنود يجب أن تكون اضعف الإيمان طبعا الثوار الحقيقيين يستطيعوا أن يقفوا على بنود أفضل بكثير من هذه التي صغناها، ولكن الجوهر موجود في الفكرة

 


 

من أوراق المبادرة الجهادية: تسوية وضع الثائر لما بعد الثورة:



تسوية وضع الثائر لما بعد الثورة:

1.                   يعتبر أن فترة الثورة جزء من فترة الخدمة العسكرية لكل الثوار المشاركين فعليا بالثورة.
2.                   يعتبر كل منشق عن النظام سواء مدنيا كان أم عسكريا أنه على رأس عمله منذ يوم إنشقاقه، وتعتبر حقوقه المالية والوظيفية محفوظة إلى حين تمكن السلطة الجديدة من تسديدها.  
3.                   يعتبر كل  منشق عن النظام ومن التحق بالثورة وعمل بها بشكل فعلي أنه على رأس عمله منذ التحاقه بالثورة،  ويقدم له "تعويض مهمة" يعادل ثلاث أضعاف راتبه يوم انشقاقه.  كما تعتبر فترة الخدمة الفعلية في الثورة وإلى يوم سقوط النظام على أنها ثلاث أضعاف الفترة الخدمة في العمل الأصلي وتدخل في حساب أقدمية الثائر في وظيفته وكافة حقوقه الأخرى بما فيها الفترة التقاعدية.    
4.                   يُرَفّع كل من انشق عن النظام - من العسكريين ومن قوات الأمن - قبل تاريخ 1/1/2012  والتحق بالثورة وعمل بها بشكل فعلي رتبتان.
5.                   يرفع كل من انشق عن النظام - من العسكريين ومن قوات الأمن - قبل
6.                   تاريخ 1/1/2013  والتحق بالثورة وعمل بها بشكل فعلي رتبة واحدة.
7.                   يعتبر الثائر من غير موظفي الدولة كمن تطوع في الجيش والقوات المسلحة يوم التحق بالثورة فعليا برتبة تتفق مع درجته الشهادة العلمية.
8.                   يعتبر حكم الثائر من غيرالموظفين أصلا كحكم نظيره من المنشقين عن الجيش. وله نفس الحقوق بما فيها الحق في الإنتماء للجيش والقوات المسلحة برتبته التي تخوله لها خدمته بالثورة 
9.                   تطبق قواعد "التسوية" على الشهداء وتمنح مستحقاتهم كاملة لذويهم.
10.               يخصص تعويض تقاعدي كامل لذوي الشهداء على أن يعتبر أن الشهيد خدم إلى سن التقاعد النظامي.
11.               بخصص تعويض يدفع مرة واحدة تحدده لجان متخصصة.
12.               يمنح مصابي الثورة ومعاقيهم تعويضات تتناسب مع درجة إصابتهم تحددها لجان متخصصة.  
13.               تقع مسؤولية إثبات الإنشقاق وتاريخه والخدمة في الثورة على عاتق الثائر ويخصص لجنة حكماء محايدة تضع سياسة عادلة بهذا الخصوص.
14.               يعامل الثوار من غير السوريين نفس معاملة الثائر المدني. ويمنحوا الحق بالجنسية السورية إن رغبوا في البقاء في سورية.  
15.               تحسم المبالغ التي تقاضاها الثائر خلال عمله في الثورة سواء من الجهات السورية أو غير السورية من التعويضات المالية التي ستقاضاها أعلاه.  
16.               يستثنى من هذه القواعد من أكره على الانشقاق.  


Thursday, November 23, 2017

قصيدة بيني وبين بني أبي للشاعر: المقنع الكندي


يعاتبني في الدين قومي وإنما                  ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
ألم ير قومي كيف أوسر مرة                  وأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا
فما زادني الإقتار منهم تقربا                 ولا زادني فضل الغنى منهمو بعدا
أسد به ما قد أخلوا وضيعوا                   ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا
وفي جفنة ما يغلق الباب دونها                مكللة لحما مدفقة ثردا
وإنِّي لعبد الضيـف مـا دام نـازلاً              وما شيمة لي غيرها تشبه العبـدا
وفي فرس نهد عتيق جعلته                    حجابا لبيتي ثم أخدمته عبدا
وإن الذي بيني وبين بني أبي                  وبين بني عمي لمختلف جدا
أراهم إلى نصري بطاءا وإن هم             دعوني إلى نصر أتيتهم شدا
إذا قدحوا لي نار حرب بزنــدهم              قدحت لهم في كل مكـــــرمة زندا
فإن يأكلوا لحمي وفرت لحومهم              وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيويبهم            وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
وإن زجروا طيرا بنحس تمر بي             زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم                   وليس كريم القوم من يحمل الحقدا
فذلك دابي في الحياة ودابهم                   سجيس الليالي أو يزيرونني اللحدا
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى                وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
على أن قومي ما ترى عين ناظر             كشيبهم شيبا ولا مردهم مردا

بفضل وأحلام وجود وسؤدد                   وفي ربيع في الزمان إذا شدا

Monday, October 16, 2017

جدلية المنظومة الحاكمة في سورية: لماذا لن يأت التغيير إلا بثورة المواطن؟

من مقالاتي القديمة:  
نشر في أيار 2005


يحلم الجميع أن نستيقظ ذات صباح وقد عادت حكوماتنا في العالم العربي إلى رشدها، فتطالعنا الصحف بأن القرارات أصدرت لإغلاق كل السجون السياسية والمعتقلات الفكرية.  وأن الحاكم قرر أن يعيد الحق إلى نصابه ويلزم نفسه بقرارات شعبه فتلغى قوانين الطوارئ وما يلحق بها من محاكم تفتيش بمختلف أشكالها وألوانها. وتتبنى السلطات كلها أن لا مرجعية سوى مرجعية المواطن، وأن دمه وعرضه وماله حرام على الجميع ولا سيما على السلطة ذاتها. والحلم الذي نحلمه طويل جدا ولكن ليعذرني القارئ فإن من طبعي التشاؤم، وإليكم الأسباب التي سيجعل هؤلاء الحكام لن يقدموا على عمل كهذا ولو كان ثمن الذي ستدفعه البلاد يماثل ثمن الذي يدفعه وما زال يدفعه العراق الحبيب. ولكي لا نلمس شعور أي من أحبائنا العرب فسأتكلم على بلدي سوريا كمثال وما ينطبق على الطبقة الحاكمة في سورية ينطبق على جميع الطبقات الحاكمة في العالم العربي.  فخلال السنوات الأربعين الماضيات حكمت سورية طبقة اجتماعية معينة تتصف بثلاث أبعاد. وهذه الأبعاد تتشابه بين كل الطبقات الحاكمة في بلاد العرب.  ونحن اليوم نطمع واهمين أن تقوم هذه الطبقة بالتغيير خوفا من التهديد الأمريكي.  فلننظر ما هي أبعاد هذه الطبقة وكيف ستؤثر على قرارها بالتغيير. 
افلاس فكري وتقصير ريادي:
البعد الأول لهذه الطبقة الحاكمة في بلادنا هو البعد الفكري، حيث تبنت التحديث الغربي على الطريقة الاشتراكية تحت قيادة حزب البعث العربي الأشتراكي.  وقد يعتقد البعض غالطا أن أعضاء الجبهة الوطنية من الأحزاب الأخرى يخرجون عن اطار هذا البعد. وبغض النظر عن جلالة الأفكار الكبيرة التي تقدمها أحزاب الجبهة؛  فالجبهة -كأشخاص وتنظيمات لا كأفكار وعقائد- ببعثها وغير بعثها مارست قيادة الأمة نحو مستنقعات الموت الفكري بكل الوسائل.  فإن لم نكن نريد أن نحمل هذه الجبهة فشل الوحدة العربية مع مصر ولكننا لا نستطيع أن ننسى مسؤوليتها في الاسفين الذي دق بين سورية ولبنان من خلال ممارسات - أقل ما يمكن أن يقال- أن هذه الجبهة سكتت عنها ما يزيد عن ثمانية عشر عاما.  فإن كانت الحركة الانفصالية ضد مصر عبد الناصر تعتبر نكتة سوداء في قلب فكرة الوحدة العربية،  فيبق سوء السياسة التي اتبعها مع الإقليم الشمالي لا يعادل ما مارسته سورية في لبنان.  فعبد الناصر لم يعتبر قبل 1958 أن الوحدة هي الأصل، في حين كانت سوريا تعتبر نفسها أنها "مربض الوحدة العربية" وعرين العروبة النابض."  وقد كان الوجود السوري في لبنان على الأقل في التسعينات، فرصة البعث والجبهة الوطنية وراءه لنقل فكرة الوحدة والقومية العربية إلى حيز الوجود فعلا وعملا. والوحدة لا تعني ضرورة اختفاء الدولتين في دولة واحدة.   وقد تكلل جهود هم في لبنان بمظاهرات صاخبة تدعو ثبورا لسورية "الشقيقة." حتى أولئك الذين خرجوا تأييدا لسوريا وشكرا لها لدعمها لمقاومته البطلة، كان خروجهم تأييدا وليس طلبا بالبقاء.  إن القواصم التي قصمت العمود الفقري لفكر البعث وعصابة الأحزاب التي شاركته في حكم سورية لما يقارب نصف قرن أكثر من أن تذكر. إنها تمر بهزيمة 1967، فحرب لبنان الأهلية، وخصام الأخوة الأعداء بين البعث السوري والبعث العراقي، وفشلها في احتواء الحرب العراقية على إيران.  ناهيك عن الحلف مع الأمريكان ضد شقيق قومي في عام 1991. 
من هنا، فأصحاب القرار الفكري في هذه الأحزاب يدركون حق الادراك خواء افكارهم الحزبية.  ومما زاد من عجزهم أنهم فقدوا القدرة على الاقْناع ونشر مبادئهم.  فخلال العقود الماضيات لم يمارسوا هذه القدرة أبدا إذ أنهم لم يكونوا بحاجة لها.  فهناك الدولة التي تفرض فكرهم على المجتمع، وهناك المتملق لفكرهم بغية الحصول على وظيفة في الدولة أو منصب ما أو مربح مادي. فعجزوا هم عن التقدم، والذين انتموا إليهم لاحقا تملقا كانوا أعجز عن مدهم بجديد.  وأنا لا أتكلم بفراغ هنا، فأقول لأخواننا البعثيين والقوميين والإجتماعيين وغيرهم في الجبهة: ما هو النقاش الفكري الذي أنتج لدينا القرار من الحرب العراقية على إيران؟ بل هل تمت مراجعة فكرية لموقفنا مع الحلف الثلاثيني ضد العراق عام  1991 قبل الأنضمام له؟  ولماذا نذهب بعيدا،  لقد هرولت قيادة بشار الأسد إلى الصين بحثا عن انموذج تتبناه البلاد لمواجهة المرحلة الجديدة. هل مدت هذه القيادة يدها لهذه الاحزاب تسألهم رأيهم فيما هم مقدمون عليه؟  بل هل توجهت لمراكز البحث القومي والعربي الاستراتيجية تسألهم رأيهم؟  وإذا كنا تقدميون ووطينون وصامدون في وجه الشيطان الأكبر "أمريكا"  فكيف نقبل على الأقل فكريا أن يعلن بشار الأسد للصحفي الأمريكي قائلا: "أرجو أن تعلمهم بأنني لست صدام حسين. سأتعاون"  منذ متى كان التعاون مع أمريكا موقفا مقبولا في هذه الجبهة؟ أم أنه آخر مظاهر الخواء الفكري لهذه الأحزاب. 
لهذه الأسباب تدرك هذه الأحزاب زيفها الفكري عند شرائح الشعب في طول البلاد وعرضها. وتدرك أن الانفتاح سيفقدها قدرتها على الهيمنة الفكرية المرتكزة على الدولة.  وقيادات هذه الأحزاب تدرك بأنها ستهوي في مستنقعات النسيان في اللحظة التي يحصل المواطن فيها على حريته وخياراته.  أما العاقلون في هذه الأحزاب وأصحاب الفكر السليم فقد يمكنهم وعيهم من أدراك أهمية التواصل مع الشارع بعيدا عن الدولة وسلطتها.  وقد يجدون فيها فرصة لخطوة مراجعة للوراء تكون عامل دفع نحو بناء علاقة جديدة وحيوية مع المجتمع، تتشرف مستقبلا أفضل من العلاقة الميتة الحالية. ولكنني متشائم كعادتي فهؤلاء العاقلون من مفكري هذه الأحزاب هم الأبعد عن مواقع القرار فيها. 
نهب اقتصادي وعجز عن الانتاج:
البعد الثاني لهذه الطبقة التي حكمت سوريا خلال الأربعين سنة الماضيات هو البعد الأقتصادي.  فخلال هذه العقود ظهرت طبقة جديدة من أصحاب الثروة لم تكن لتظهر بهذا الشكل لولا تركيبة الدولة الديكتاتورية.  فقد أعيد توزيع الثروة في سورية بين النخبة الحاكمة.  فتحولت فئات كبيرة من المسؤوليين الحكوميين إلى سماسرة تتعاقد مع أصحاب الأعمال مقابل عمولات كبيرة أو صغيرة.  أما الجيش والقوات المسلحة فحدث ولا حرج فمن لا يشبع من عمولات البلاد وهو من المرضي عنه أو ممن يُطلب سكوته يرسل إلى لبنان ليملأ جيوبه بأمول تهريب البضائع عبر الحدود إن لم يكن بأموال المخدرات أو السرقات.  وبطبيعة الحال أن يطغى على هؤلاء كونهم من الفئة النصيرية التي ينتمي لها الأسد بحكم ولائهم وتمكينهم من الجيش.  وهذه الظاهرة ليست حصرا على القطر السوري، ففي أي بلد من بلاد العالم كان قد مارس نوعا من الاشتراكية مقترنا بنوعا من الديتاتورية أعيد توزيع الثروة بين طبقات المجتمع، فازداد تراكمها في يد الطبقة الحاكمة.  وبطبيعة الحال فعندما يصل هذا التراكم إلى درجة معينة سيطالب أبناء الاشتراكية انفسهم بالانفتاح والتحول الرأسمالي لتمكنوا من تحقق استثمارات أفضل لهذ الثروة الجديدة. 
ولكن الوضع في الطبقة السورية الجديدة يختلف تماما عن بقية البلدان. فهذه الطبقة تمرست بفن واحد وهو السمسرة.  وهي عاجزة عن أن تحول ثروتها لرأس مال منتج.  فكل ما تجيده هو مراوغة القانون وليس حل المشكلة الانتاجية. وغلبة الرشوة والحرمة على هذه الأموال يجعل أصحابها في شك كبير من أمرهم. فلا ثقة لهم ببلادهم فأصحاب الثروات الجدد عاجزون عن استثمارها في البلاد. بل يخشون عليها أن تبق في البلاد. فقد ذكرت صحيفة تشرين أن خلال الشهر الذي تلى استشهاد الحريري سحب ثلاث مليارات دولار من مصارف لبنان.  وقد يبرر ذلك حركة الاقبال على العقارات في دمشق خلال الأشهر الماضيات.  أما ايداعها في البنوك الأجنبية، فالقواعد القانونية لهذه البنوك تتغير كل يوم، وهم يدركون أن دولة ديمقراطية يسودها القانون في سورية ستتمكن من اللحاق بأمالهم أينما ذهبوا.  ويتواتر عند الناس أن بعض الشركات الكبرى التي تعود لعائلة الأسد والمخلوف في سوريا مسجلة باسم أناس نكرة كراعي غنم بدوي يُِِتفق معه على أن يستعمل اسمه مقابل دخل شهري (خمسة آلاف ليرة) رمزي بالنسبة لدخل الشركة وذلك كغطاء قانوني للعائلة. 
لكل ذلك فأنا متشائم فهؤلاء الذين ننتظر منهم أن يقوموا بالتغيير يدركون حقا أن الحرفة التي يمتهنون الوحيدة قائمة على ديكتاتورية الدولة، وأنهم إن فقدوا هذه الدولة فإن حرفتهم لن تعود عليهم بشروى نقير.  أما أموالهم التي بين أيديهم فهي كلها أموال حرام في أحسن حال ما ينفقوه منها لن يعود لهم وبأغلب الأحوال فإن محاسبة القانون في دولة ديمقراطية جديدة ستطالهم وتطال أموالهم أينما كانوا.  وهذه الطبقة لا تقتصر على الأسد وعائلته، بل تمتد لتشمل طبقة اجتماعية كاملة من كبار الضباط والحزبيين والمسؤولين القديمين، الجالسين على هرم عريض القاعدة من المنتفعين اقتصاديا من الدولة.  ونحن هنا لا نتكلم على صغار الحال من النصيريين وغيرهم من الشرفاء الذين يجدون أن حالهم تحسن لأن الدولة فتحت طريقا بقريتهم أو مستوصفا بمدينتهم.  ولكن نتكلم على هذا الهرم المعتمد على الدولة والذي جعل مصدر رزقه استمراريتها واستمرارية دكتاتوريتها.  فهؤلاء لن يتركون حلمنا بدولة الحرية يتحقق. 
ازدواجية الولاء:
البعد الثالث للطبقة الحاكمة في سورية هو بعد عسكري وطائفي معا. فقد تمكنت طبقة النصيريين من التحكم بالجيش ومن ثم بالدولة بشكل مطلق منذ منتصف الستينات.  خلال هذه العقود الطويلة اعتبرت بعض قيادات هذه الطائفة أن دولة الأسد دولة نصيرية بامتياز.  وإن حمل الأسد أبعادا قومية ووطنية، ولكن هذا المفهوم للدولة كان الغطاء الخارجي لما اعتبره البعض من قيادات الدولة العلوية بدولتهم الخاصة واعتبروا أن تواجدهم في الجيش هو وجود بامتياز وأن جيش البلاد جيشهم قبل كل شئ.  والعامة  تتواتر فيما بينها مقولة "دولة ألو" و"ألو" ما يقوله السوري عندما يجيب على الهاتف.  فهناك الدولة التي تسير البلاد ظاهريا وهناك دولة "ألو" الخفية التي تسير البلاد حقيقة عن طريق الهاتف. والانطباع السائد ولو غالطا بأن مجلس الطائفة هو المسؤول عن هذه "الدولة." مما لا شك فيه أن الوضع الاقتصادي الذي كانت به مناطق النصيريين في شمال غرب البلاد لا تسر أحدا من بعيد أو قريب وقد كانت أحد أسباب انضوائهم في صفوف اقوات المسلحة.  ولكن هذا الوضع السئ كان يعيشه الكثير من أهالي سوريا في ذلك الوقت، ولم يفكر أحد بأن يحول جيش البلاد لجيش الطائفة قبلهم. ولا اعرف احدا من النصيريين يحمل مسؤولية وضعهم القديم للأغلبية من غيرهم. كما أن الشرفاء من هذه الأقلية تؤمن بأن الضرر اللاحق لسورية من هذه الطغمة الحاكمة واقع بالجميع مهما كانت طائفته أو دينه.   
والسؤال الذي تستمر طرحه القيادة اليوم: "كيف يمكننا التغيير دون أن نخسر سيطرتنا على الأمور" فمن هذا الباب كان ايفاد رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد إلى أوربا في الثمانينات لتأليف ما يشبه "جبهة" للعمل الديمقراطي المعارض للمحافظة على خط رجعة.  ومن نفس القبيل تأتي تصريحات الأخير حول الديمقراطية والحرية.  بل أن مفهوم الحرس القديم والحرس الجديد الذي يتكرر على لسان الأسد الابن أكثر من غيره مفهوم يأتي من هذا القبيل.  فالحرس القديم هم "السيئون" الذين لا يريدون التغيير وستلق قيادة الطائفة المسيطرة الجديدة على أكتافهم كل اخطائها كما ألقت جرائم حماة وتدمر والحجاب على أكتاف رفعت الأسد يوم انشق عن أخيه.  فالأسد يريد اقناعنا بأنه لو أصدر قرارا باعتقال خدام أو غيره فلن يسنطيع تنفيذه! أم أنه اتفاق بينهما.  فقد رأينا التصفيات بين اعضاء القيادة تصل للقتل والنفي دون رحمة عندما تعلق الأمر بتوريث الحكم للابن. والتغيير الذي نحلم أن لا يكون قسريا يعني اقناع هذه الطبقة التي هيمنت على أقدار الطائفة كما هيمنت على أقدار البلاد لعقود طويلة أن تتخلى عن كل سلطاتها وسطوتها وأن تعود قانعة لحظيرة الوطن الكبير، حيث يتحول جهدها من الدفاع عن الطائفة وسلطتها للدفاع عن الأمة وعزتها.
وإذا اقتنعت معي أن هؤلاء في طغيانهم لم يتمكنوا من رؤية مصالح البلاد أهم من مصالحهم خلال العقود الماضيات فما الذي سيغير رأيهم اليوم أدركت سبب تشاؤمي في حل قريب.  فأم المشاكل التي تهدد هذه الطبقة كامنة في دولة القانون، فجرائم زعاماتها وكبارها أكبر من أن تخفى ودولة القانون والديمقراطية ستعيد فتح ملفات كل الجرائم التي ارتكبتها خلال العقود السابقة.  هل باستطاعتنا تخيل حكومة ديمقراطية في مصر لا تلاحق جمال مبارك تسأله من أين لك هذ؟  أم أن هناك دولة قانون في سورية لا تعيد الحقوق لمن قضى في سجون النظام أربعين عاما من عمره.  أم أن هناك انفتاحا في ليبا لا يطارد أموال سيف القذافي حيث كانت من البرازيل إلى هنغاريا.  إنهم يدركون ذلك فهم يرون كل يوم ما يحدث لبينوتشه تشيلي وأمثاله.  وهم يدركون أن تخلى الغرب عن دعم أنظمتهم الدكتاتورية يعني غياب المؤى الذي سيهربون إليه عندما يسقطوا.  
لكل هذه الأسباب أخي المواطن لا أجد بدا من العودة إليك.  فهذه الطغم الحاكمة كالطفيليات تعرف أنها ستموت أذا أزيحت عن مواقعها، ولذلك فهي مستعدة أن تضحي بالبلاد والعباد بغية بقائها كما فعل صدام قبلها.  وإن قبلت أمريكا ببقائها أو تقاعست عن إزالتها فإن ثمن ذلك سيكون من حسابك وحساب قضاياك المصيرية.  أو لم يقل لهم بشار:  "أرجو أن تعلمهم بأنني لست صدام حسين. سأتعاون." إن دولتك اهش من الورق، هل تفكر باسقاطها بمظاهرة.  هل بقيت دولة واحدة لم تسقطها جحافل المتظاهرين إلا في بلادنا؟  دعنا نسقط هذه الدويلات لا حبا بأمريكا ولكن دعنا نسقطها استعدادا لقدوم أمريكا.  فنحن أقدر على مواجهتها إذا وقفنا صفا وطنيا واحدا.  كل يوم يعلن شعبنا بألف وسيلة بأنه أكبر من الدولة وأكبر من سلطتها.  مهما كلفنا تغيير هذه الطغم فإنها ستكون أقل من الكلفة التي ستدفعها شعوبنا لو جُرت لمواجهة مع الغرب بِحجتهم كما فُعل بالعراق.  وستكون أقل كلفة من التنازلات التي سيقدمونها للغرب في حال رضي الأخير بقائهم في الحكم، فتنازلاتهم لن تكون إلى على حسابنا وحساب امتنا. وقد كنت أتمنى أن أكون مخطئا ولكن الأمور تتطور لتؤكد مخاوفي، فها هو النظام يعتقل من تبق من ربيع دمشق، والعم السفاح يعود من منفاه ليسأل حصته بالورثة، ومؤتمر الحزب لم يطرح فكرة واحدة جديدة.  ألم يحن مجتمعنا أن ينهض بذاته ويأخذ زمام أموره بيده؟  إن كل يوم نتأخره ندفع ثمنه غاليا من حياتنا وحياة أبنائنا.