Saturday, February 09, 2019

لا والله نحن لسنا بخير: ظاهرة قديمة بثوب جديد


قبل أن ألج في هذه الموضوع أحب أن أنبه أنني على قناعة بأن المسلم من أجود وأكرم من عرفتُ من البشر، ولكن ما زالت هذه الصفات تحتاج لأن توجه بطريقة ايجابية تدفع بالأمة لميلاد جديد.
هناك "علماء السلطان" وهناك "علماء الأغنياء الجدد" فعلماء السلطان لا نحتاج أن نعرفهم، فالكل يعرفهم. أما الفئة الثانية فهم علماء المحظيين من طبقة "الأغنياء الجدد" وهذه الطبقة هي كل من راكم الثورة بشكل أو أخر منذ الثمانينات حتى الأن. فحديثي النعمة اليوم يبحثون عن شئ ينقصهم، فمنهم من يبحث عن وسائل لـ"تسبيع" ثروتهم أو تطهير سمعتهم.. وكثير منهم من كانت أموالهم حلالا، فهم يبحثون عن المصداقية الإجتماعية والأخلاقية الإسلامية بمثل هذه المجالس التي لا تقوم بطبيعتها على اي مشروع حقيقي للأمة.  لذلك نراهم يحيطون أنفسهم ببعض المشايخ - في الحقيقة بعضهم بحسن نية وبعضهم بسوءها - لا يصلون إلى مراتب العلم، بل هم أقرب للـ"صُحفيين"* منهم للعلماء. حيث أغلب طروحاتهم الفكرية – إن صح المصطلح - مأخوذة بطريقة القص والتلصيق. حتى الأزهريين منهم أفقدونا معنى "الأزهرية" إلا ما رحم ربي. وهذه ظاهرة تذكرنا بمسرحية موليير "البرجوازي النبيل"  (1670) الذي ألفها ليصور حالة هذه الطبقة الجديدة.  (وهذه ظاهره معروفة في أمريكا بين غير المسلمين حتى؛  فتجد الثري بعد أن وصل إلى مرتبة من الثراء يبذل الجهد لاعمار مكتبة مثلا.)

واليوم تغتظ بيتوتات المغتربيين ولا سيما السوريين في أمريكا بمثل هذه المظاهر، فإن كان هؤلاء الأغنياء الجدد يبحثون عن تبرير لسفور أزواجهم. تجد مجالسهم حافلة بهؤلاء الصُحفيين الذين يتطاولون على أيات الله ليبرروا لمحظييهم ما يريدون، وإن كان هؤلاء يشعرون بخذلانهم للثورة والتردد بنصرها، نجدهم يجمعون من المشايخ من يقول لهم "معكم حق" وأن الثوار (الله يصلحهم) كانوا مستعجلين ومتهورين،وإن كان المستمعين أكثر استرخاء فيأتون بصوفي يعمل لهم حضرة. وعلى ذلك فقس.   حتى صارت هذه الجلسات "جلسات ما يطلبه المستمعون"، فيأتي المتحدث وبعد أن يجس نبض الحضور يسمعهم ما تهوى أنفسهم.

ونحن نقول أن هؤلاء في كثير من الأحيان - أقرب منهم لحكم السفاهة من أي حكم آخر. فالسفاهة طَيْشٌ ،و خِفّةٌ ،و جَهْل، لذلك وضع حكم الحجرعلى السفيه. فهذه الحركات الخالية من المعنى تضيع جهود الأمة ومواردها في ما لاينتج عنه شي، فلإن يخرج أحدهم من الخمارة وهو يشعر بتأنيب الضمير، اخف وطئا على الأمة من الخروج من هذه المجالس. فالخارج من خمارة يشعر بتأنيب الضمير ويستغفر الله وقد يرعوي، أماالخارجون من مثل هذه المجالس فيخرجون يحملون شعور النشوةـ وأنهم أدووا ما عليهم. فلا هم شعروا بما عليهم أن يفعلوه ولا هم عملوا ماينفع الأمة شروى نقير. ولا هم شعروا بالذنب الذي قد يدفعهم لعمل نافع. فسبحان الله كيف كان الحديث عن طبقات الآزون** التي تدل على اعجاز الله لن تبني سقفا واحدا في بلادنا، وابداع الله في خلق الرجل اليسرى للعنكبوت** لن يعيد ساق طفل من بترها.  وحضرات الذكر** ولو أخذ الحال بالحضور ليمشوا في الهواء لن تدفع الظلم عن أمتنا. وإبداع الرحمن - على روعته - باستعمال الباء "يشربون بها" عوضا عن الميم لن يروي عطش رضيع واحد في العالم.    

والأمر جلل في الأيام العاديات  أما ومع كل المستجدات في أمتنا فهذا مرض يمتص كل طاقات البلاد والعباد.  فأذكر مرة أنه بعد صلاة المغرب قُدّم في المسجد أحد الـ" العلماء" لإلقاء درسا في التفسير. فبقيت استمع، وكانت أطول ساعة مرت. لم أسمع فيها جملة أبداعية واحدة. فكان التفسير كمن يفسر الماء بالماء. خرجت بعد العشاء من المسجد وأنا محموم من تدني المستوى. فإذ بصديقي الذي يمشي معي وهو من هؤلاء الأغنياء الجدد يقول: هل سمعت ما شاء الله هذا الشيخ كم من العلم عنده. هممت بالاعتراض ولكني تراجعت؛ فإن كانت عشر سنوات من الدراسة الجامعية لم تجعل هذا الأخ قادر على تميز ضحالة علم هذا المحاضر. فلايمكن لمثلي أن يصحح ذلك عنده.
نحن بحاجة لكثير من هذه الجلسات أخواني الكرام، ولكن جلسات يخرج الحاضرون منها في حمى تواقة للعمل البناء.  لا أن يخرجوا ويشعرون بأن الدنيا بخير، فكما قال الشيخ فتحي الصافي في لحظة تجلي سرعان ما غابت وليرتكس الكلام ويعود حول أحكام الحيض والنفاس، "لا والله نحن لسنا بخير." 

محي الدين قصار
2 شباط 2019
----------------------------------------
*الصَحفي: هو من أخذ العلم من الصُحف، وقد عاب الفقهاء على من اتبعه دون أن يكون الأخذ من العالم مباشرة.   
** كذلك تكون أحاديثهم وجلساتهم

دماء الخاشقجي تلاحق الكثيرين: 1


اللاعبون:
- جيف بيزو مؤسس وصاحب شركة "أمازون" وكان قد اشترى جريدة "واشنطن بوسط"
- ناشيونا انكويرور: مجلة أمريكي تلقت أموالا من السعودية ومارست تغطية فضائح طرمب وسترها بحيث كانت تشتري حق النشر من صاحبة العلاقة ثم تمتنع عن نشرها؛ وتمنع صاحبتها من النشر لأنه باعت هذا الحق. (هذه حقائق باعتماد القضاء الأمريكي واعتراف الجريدة نفسها. القضاء ألزم الجريدة بحسن السلوك إلى أن تنتهي التحقيقات في قضايا طرمب وشريكاته في السرير.
القصة:
جيف بيزو ينشر يوم الخميس مقالا طويلا يقول فيه بأن الناشينال أنكويري تبتزه بأنها ستنشر قصة عشيقته مع صور اباحية له (القصة قديمة وربما كانت وراء طلاق جيف)
الثمن:
على جيف أن يمارٍس نفوذه على "الواشنطن بوسط" كصاحبها لكي تتوقف عن نشر ملاحقات جريمة مقتل الشهيد #الخاشقجي رحمه الله. وإن لم تتزقف الـ"واشنطن بوسط" فستقوم الـ"ناشينال أنكويرور" بنشر فضائح جيف.
النتيجة:
أخي القارئ أربط الأمور كما تراها مناسبا.